«هلموا إلى أرض الجهاد، فالعيش في معية الله أفضل حالاً من الحياة التي تحيونها حيث أنتم». هكذا خرجت الكلمات من بين شفتي ملثم وقف مواجهاً الكاميرا في مقطع مصور تتردد في خلفيته أناشيد ذات صبغة دينية. الأمر يبدو مألوفاً لولا أن هذه العبارات تُليت بـ«إنجليزية فصيحة لا تشوبها شائبة»، تكشف عن أن قائلها ليس إلا واحداً من نحو 400 بريطاني تفيد تقديرات الأوساط الاستخباراتية في لندن بأنهم توجهوا للقتال في سوريا على مدى العامين الماضيين.

ظاهرة توجه هؤلاء البريطانيين إلى سوريا باتت تشكّل «صداعاً متفاقماً» في رأس السلطات في لندن، إلى حد أن مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى من عينة قائد وحدة الأمن ومكافحة الإرهاب بحكومة دافيد كاميرون، تشارلز فار، بات يعتبر أن «التهديد الإرهابي» الناجم عن وجود المسلحين البريطانيين في سوريا هو الأخطر الذي يواجه بلاده، منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 التي ضربت الولايات المتحدة.

انتحاري حلب

لكن المقطع الذي تصدر الحديث عنه هذه السطور، والذي يستعرض فيه «البريطاني الملثم» مدى بساطة المنزل الذي يقيم فيه مع جهاديين آخرين يقاتلون النظام السوري، لم يكن هو أكثر ما أثار خوف أجهزة الأمن البريطانية حيال هذه الظاهرة، فالتسجيل الأكثر تأثيرا في هذا الشأن، كان ذاك الذي بُث قبل أكثر من شهرين لعبد الواحد مجيد؛ أول بريطاني يلقى حتفه في سوريا جراء تنفيذه عملية انتحارية في حلب.

مجيد، المُكنى بـ«أبو سليمان البريطاني»، كان العاشر مـــن بين بني وطنه الذي يسقط قتيلاً خلال الحرب في سوريا، ولكنه بث الذعر في الأوساط الأمنية البريطانية بصفة خاصــة، نظراً لأنه يشكل نمطاً مختلفاً عن النمط المعتاد، لمن كانوا قد توجهوا من قبل لحمل السلاح في الأراضي السورية، والذين كان أغلبهم من الشبان صغار السن.

عبد الواحد مجيد، رب أسرة يبــلغ من العمر 41 عاماً وله ثلاثة ابــناء، وكان مستقراً في عمله كمــهندس في إحدى شركات تشييد الطــرق السريعة، وهو ما دفع المسؤولين الأمنيــين في لندن للتساؤل عن أسباب ترك ابن منطقة «ويست سسكس» الوادعة حياته المستقرة ليفجر نفسه على متن شاحــنة اقتحمت سجن حلب المركزي في السادس من فبراير الماضي.

الاستعانة بالأمهات

منذ ذلك الوقت، كثفت أجهزة الأمن البريطانية جهودها لمواجهة ظاهرة «جهاديي سوريا» عبر تبني استراتيجية ذات عدة محاور؛ أولاها تكثيف عمليات المداهمة، التي أسفرت منذ مطلع العام الجاري عن اعتقال 40 شخصا، وهو رقم له دلالته إذا علمنا أن عدد المعتقلين لأسباب مماثلة خلال العام الماضي بأكمله لم يتجاوز 25 شخصاً.

الشق الثاني ذو طابع قانوني؛ تمثل في تجريد بعض العائدين من سوريا من الجنسية البريطانية، وهو ما شمل العشرات خلال الشهور القليلة الماضيةً، جنبا إلى جنب مع إطلاق تحذير صريح لمن يتوجه إلى الأراضي السورية بأنه سيتعرض للملاحقة القضائية حال عودته، بالإضافة إلى بحث مدى قانونية فرض قيود تحول دون تصفح البريطانيين لمواقع إلكترونية تحتوي على تسجيلات مصورة لانتحاريين أو مضامين متطرفة تُبث من خارج البلاد.

جانب ثالث، تجسد على أرض الواقع قبل أيام مع إطلاق الشرطة البريطانية حملة لدعوة النساء المسلمات إلى حض ذويهم سواء كانوا أزواجا أم ابناء أو حتى اصدقاء على الإحجام عن الانخراط في الصراع السوري، وهي حملة حظيت بتغطية واسعة النطاق من جانب وسائل الإعلام الكبرى، على أمل أن تلعب النسوة دوراً فعالاً في التقليل من نزيف الدم البريطاني في سوريا بعد أن بلغ عدد قتلى المملكة المتحدة هناك قرابة العشرين منذ اندلاع الأزمة في مارس 2011.

«الشيطان الأفضل»

وفي ظل مخاوف جهات أمنية عديدة في بريطانيا من إمكانية أن يسعى «العائدون من سوريا» لتنفيذ هجمات على تراب بلادهم أو دول غربية أخرى حال عودتهم سالمين من أتون الصراع هناك، تحولت الأزمة في هذا البلد إلى شأن تُعنى به أجهزة الأمن والاستخبارات في المملكة المتحدة، أكثر من كونه ملفاً مطروحاً على طاولة المسؤولين في وزارة الخارجية وغيرها من الدوائر السياسية.

ويضعف هذا التحول من الدعم الذي يمكن لبريطانيا أن تقدمه للمعارضة السورية، ففي العام الماضي أوقفت لندن تقديم مساعدات غير فتاكة للمعارضين المسلحين في شمال سوريا، إثر سيطرة مقاتلين من كتائب إسلامية على مخازن أسلحة تابعة للجيش السوري الحر هناك.

كما أن لهجة المسؤولين البريطانيين، حاليين كانوا أو سابقين، حيال الأزمة السورية شهدت تبدلا في الآونة الأخيرة بشكل كبير؛ إلى حد أن هناك من يفصحون في أحاديث خاصة عن أن الإبقاء على «الشيطان الأقل سوءا ًأو الأفضل»، ويعنون بذلك نظام الأسد، ربما يشكل خياراً لا بديل له في الوقت الراهن.

وتكفي الإشارة في هذا الشأن إلى تصريحات الناطقة باسم الخارجية البريطانية فرح دخل الله قبل أسابيع التي أكدت فيها أن «حماية أمن المملكة المتحدة بات يشكل واحداً من بين الأولويات الثلاث لبلادها إزاء الأزمة»، من دون الحديث بشكل صريح عن إسقاط نظام الأسد.

أكثر من ذلك، جاء حديث رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير قبل أيام أشد وضوحاً عندما تحدث عن إمكانية القبول ببقاء الأسد في الحكم لفترة انتقالية في إطار اتفاق لإنهاء الأزمة، ودعوته إلى ضرورة بلورة تحالف لمواجهة «التطرف»، في إشارة لا يخفي مغزاها من قبل مسؤول مخضرم لا يزال يشغل منصب مبعوث اللجنة الرباعــية الدولية إلى منطقة الشرق الأوسط.

 

طلب العون

ذكرت صحيفة «ديلي ستار» أن بريطانيين يقاتلون في سوريا بثوا شريط فيديو على شبكة الإنترنت يطلبون فيه من العائلات البريطانية مدّهم بالمال، لمساعدتهم على مواصلة القتال هناك. وقالت الصحيفة، إن «الجهاديين» انتقدوا المسلمين في بلادهم لعدم توفير الأموال لدعم المئات من المقاتلين البريطانيين في سوريا، وحثّوا الناس على مساعدة عائلات نحو 20 بريطانياً قُتلوا في سوريا. واشارت إلى أنهم انتقدوا المسلمين البريطانيين على ما اعتبروه «تفضيلهم انفاق المال في مطاعم (ناندو) أو لشراء (بلاي ستيشن)، على دعمهم بالمال». لندن- يو.بي.آي