يستعد العراقيون غدا للتصويت في انتخابات تشريعية جديدة وسط غياب الأمل في تغيير الواقع الذي يعيشونه في ظل العنف الذي تشهده العديد من المدن العراقية إضافة إلى تكشير «الطائفية »عن أنيابها واستمرار الحملات العسكرية في الأنبار، بحيث تشير المعطيات إلى استمرار الخريطة السياسية ذاتها وسيطرة الكتل الحزبية نفسها التي تتبنى برامج طائفية وقبلية وجهوية،مما كرس العملية السياسية المختلة.
وباستثناء زيادة عدد المرشحين لمجلس النواب العراقي إلى تسعة آلاف مقارنة بستة آلاف مرشح عام 2010 ومشاركة المرأة البارزة التي تصل إلى ربع عدد المرشحين، فإن انتخابات اليوم لن تختلف كثيرا عن الانتخابات السابقة، أولا: أنها تتم فى البيئة السياسية ذاتها التي كان سببا فى تعقد واستمرار الأزمة العراقية، وهى الطائفية التى تجاوزت التنافس السياسي السلمى إلى الصراع المسلح،إضافة إلى اتساع موجة الإرهاب مع التدهور الأمني الناتج في أحد جوانبه من البيئة الاستراتيجية الهشة المحيطة اليوم بالعراق .
استبعاد التغيير
ولا يتوقع أحد حدوث تغيير جذرى في شكل الخريطة السياسية، فبرغم الانتقادات المتعددة من جانب بعض الشخصيات المعروفة مثل زعيم كتلة الأحرار مقتدى الصدر الذي اعتزل أخيرا الحياة السياسية ، وزعيم القائمة العراقية العربية إياد علاوي, لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي واتهامه بممارسته الديكتاتورية وتوظيف موارد وإمكانات الدولة لدعم ائتلافه, فإن فرص المالكي فى الفوز بولاية ثالثة تبدو كبيرة خاصة فى ظل ضعف وانقسام الكتل السياسية الأخرى، ومساعي المالكي للقضاء على خصومه السياسيين، وتوجيه تهم الفساد والإرهاب لهم ومحاولاته توظيف ورقة الإرهاب وخطر تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام لكسب تأييد المواطن الذى يبحث عن الأمن، وكسب تأييد الولايات المتحدة والغرب، وكذلك يسعى لمحاربة الإرهاب وتدفعه هذه المساعي للتغاضي عن الاعتبارات الديمقراطية وانتهاكات حقوق الإنسان.
واقع مرير

ومع ذلك ثمة نوافذ صغيرة في الافق يطمح سياسيون يحملون لواء التغيير باختراقها ليغيروا هذه المعادلة التي كرست واقعا عراقيا مريرا بسبب احتكامها الى زعامات تناضل بين طوائفها لكي تحصل على ثقتها معادلة تفرز قادة يمثلون طوائفهم ، لكن حملة لواء التغيير يخوضون معركتهم الانتخابية في اجواء يسيطر عليها الانقسام الطائفي وتتنامى فيها المخاوف من حرب أهلية.
ومع ان احتمالات التغيير في النتائج نسبية لكنها لن تكون حاسمة لتغيَر لعبة السياسة، وثمة من يجادل باحتمال ان تفرز الانتخابات نمطا جديدا من الصراع السياسي تميل كفته الى عبور خانات التحالفات الطائفية لصالح تحالفات المصالح السياسية ، بيد ان الانتخابات العراقية لن تنتهي بأميركا بثقلها لترتيب اوراق العراقيين وحسم نتائج صراعاتهم الشائكة بشكل ينسجم مع مصالح ورغبات تلك الاطراف ليس مع تطلعات العراقيين ومصالحهم.
تشتت الكتل
ويبرز بوضوح موضوع تشتت الكتل الكبيرة إلى كيانات صغيرة جدا، حتى كتلة رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي نجدها تخوض الانتخابات الجديدة وقد خسرت أهم حلفائها، بل تحولوا إلى أشد الساعين لحرمانها، ككتلة، وحرمان زعيمها كشخص، من فرص الفوز وبالتالي إقصاء الآخرين من خلال حكومة الأغلبية التي ينادي بها رئيس الوزراء كل حين.
فهذا زعيم كتلة المواطن عمار الحكيم، وذاك زعيم كتلة الأحرار مقتدى الصدر، خرجا من تحت عباءة «التحالف الشيعي» لينضما إلى تحالفات جديدة مع إياد علاوي ورئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، في محاولة لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر وبالتالي تحقيق غاية رئيسية واحدة هي منع المالكي من تحقيق أهدافه في البقاء بهذا المنصب لولاية ثالثة وتشكيل حكومة أغلبية تقصيهم من إدارة شؤون البلاد.
3 لاعبين
ومن بين أكثر من 107 كيانات وائتلافات سياسية تتنافس على عدد مقاعد مجلس النواب الـ 328 هناك ثلاث كتل أساسية لديها القدرة على المنافسة وتشكيل الحكومة، وهى ائتلاف دولة القانون برئاسة رئيس الوزراء والقائمة العراقية برئاسة إياد علاوي، وكتلة الاتحاد التى تضم ائتلاف متحدون برئاسة أسامة النجيفى رئيس مجلس النواب والعراقية العربية برئاسة صالح المطلك، وهى ذات أغلبية سنية.
مدخل للعنف
ويرى البعض أن الانتخابات العراقية، قد تكون على عكس المراد منها مدخلا لمزيد من العنف والتوتر في البلاد، حيث يستبعد مسبقا أن يقبل أي طرف من أطراف المعادلة السياسية في العراق بما ستفضي إليه من نتائج، باعتبار أن أطراف تلك المعادلة تحوّلوا من متنافسين إلى أعداء وخصوم قد تمثل خسارة أي منهم في الانتخابات خسارة «معركة وجود».
ويذكر العراقيون كيف أن نتائج التصويت لم تكف في الانتخابات الماضية لتحديد الفائز والأحق بتشكيل الحكومة، حيث أفضت تلك الانتخابات إلى معركة قانونية بين رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي ومنافسه الأهم آنذاك إياد علاوي الذي حصلت كتلته «القائمة العراقية» على 91 مقعدا متقدمة بمقعدين على كتلة المالكي «ائتلاف دولة القانون» لكن الأخير لم يسلّم بالهزيمة وتمسّك بأن من يشكل الحكومة ليس الحائز على عدد أكبر من الأصوات والمقاعد بل القادر على تشكيل كتلة أوسع داخل البرلمان، وقد استعان بفتوى قضائية لفرض ذلك.
حسم المعركة
إلى ذلك، تشير الأوضاع الأمنية المتأزمة في العراق إلى استحالة إجراء الانتخابات البرلمانية في عدّة مناطق من البلاد لا سيما بمحافظة الأنبار حيث تدور حرب بين مسلّحين ينسبهم الخطاب الرسمي لتنظيم«داعش»، ولم تنجح القوات المسلحة في حسمها واستعادة أجزاء المحافظة الخارجة عن السيطرة
وحتى خارج الأنبار تخيم ظلال من الشك في قدرة الحكومة على تأمين العملية الانتخابية، بما في ذلك داخل العاصمة بغداد التي لم تنجح الإجراءات الأمنية المشددة في حمايتها من عشرات السيارات المفخخة على غرار أول أمس في الاقتراع الخاص، غيّر أنّ معضلة الانتخابات العراقية لا تنحصر حسب المراقبين- في إمكانية إجرائها من عدمه، بل في إمكانية أن تحقق الاستقرار للبلد الممزق بالعنف وبشتى أنواع الصراعات الشخصية والحزبية والطائفية.
ويؤكد متابعون لتطورات الوضع في الانبار ان الحرب على الانبار واختيار هذه المحافظة لتكون هدفا للحكومة لكسر ارادة المكون العراقي ومحاولة قصم ظهره، كانت أحد الأخطاء الإستراتيجية التي ارتكبتها هذه الحكومة، رغم نصائح الكثيرين لها بأن دخول الانبار أو التورط في دخول مواجهة معها سيكون له عواقب مأساوية وكارثية على الشعب العراقي عموما.
المالكي يخوض الانتخابات بلا منافس
يخوض رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الانتخابات التشريعية غداً من دون منافس واضح، على عكس الانتخابات السابقة التي شهدت معركة بينه وبين اياد علاوي حبست انفاس الناخبين والمراقبين منذ اللحظات الأولى لفتح صناديق الاقتراع.
ويرمي المالكي الذي يحكم البلاد منذ 2006 بثقله السياسي في هذه الانتخابات وعينه على ولاية ثالثة على رأس الحكومة، معتمداً على صورة رجل الدولة القوي التي يروج لها مؤيدوه في مواجهة التهديدات الأمنية، رغم اخفاقات حكومته في تحسين الخدمات والحد من الفساد.
وقال المحلل السياسي العراقي عزيز جبر إن «التفكك الذي ضرب الطائفية الشيعية على مدى السنوات الأربع الماضية لم يساعد على ابراز شخصية سياسية شيعية اخرى غير المالكي الذي سينافس في هذه الانتخابات خصماً شيعياً غير واضح». وأضاف أن «هذه الانتخابات، وان كان يخوضها المالكي دون منافس بعينه، ترقى الى مسألة الحياة او الموت بالنسبة إليه، فالولاية الثالثة تعني الحفاظ على كل مكتسبات رجل السلطة، وضياعها يعني ضياع كل تلك المكتسبات، وربما الملاحقة القانونية».
ويقول دبلوماسي غربي في بغداد ان الكيانات المرشحة «لم تشكل تحالفات توفر خياراً واضحاً قبل الانتخابات حول من سيكون رئيس الوزراء. الجميع ينتظر تقييم ادائه خلال الانتخابات»، ويضيف ان « هوية رئيس الوزراء المقبل هي مفتاح هذه الانتخابات المغايرة لتلك التي سبقتها من حيث المنافسة الشخصية، والتي تجلت حينها بالسباق المحتدم بين المالكي نفسه وخصمه اللدود اياد علاوي».
يذكر ان المالكي فاز بفضل التيار الصدري في الانتخابات الداخلية للائتلاف الشيعي الموحد عام 2006 بفارق صوت واحد على منافسه عادل عبد المهدي، تولى بعدها رئاسة الوزراء للمرة الأولى، وحل ائتلاف «دولة القانون» بزعامة المالكي في العام 2010 خلف ائتلاف «العراقية» بقيادة علاوي والذي تفكك اليوم وبات عبارة عن كيانات مستقلة. لكن خسارة الانتخابات لصالح الائتلاف الذي قدم نفسه على انه تحالف قوى علمانية ضمت شخصيات سنية بارزة، لم تبعد المالكي المولود في 20 يوليو 1950 في طويريج قرب كربلاء والحائز على بكالوريوس من كلية اصول الدين في بغداد، عن كرسي رئاسة الوزراء.
الورقة الأمنية
ويقول الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى مايكل نايتس ان المالكي «يستخدم ورقة الأزمة الأمنية لإبعاد الأنظار عن الإخفاقات الاخرى لحكومته». ويضيف «اذا نجح في ذلك، فإن الاضطراب الأمني سيساعده كثيراً».
وتنظم الانتخابات في وقت تعيش البلاد على وقع اعمال عنف يومية، بدأت تتصاعد منذ اكثر من عام حين اقتحمت القوات المسلحة اعتصاماً سنياً مناهضاً لرئيس الوزراء في عملية قتل فيها العشرات. ورغم ان الناخبين يشكون من اعمال العنف اليومية هذه، ومن النقص في الكهرباء والبطالة والفساد المستشري في مؤسسات الدولة، الا أن الانتخابات العتيدة تدور حول المالكي نفسه واحتمالات توليه رئاسة الحكومة لولاية ثالثة من عدمه، سبق ان قال انه لا يريدها في فبراير العام 2011.
ورطة الحكومة
يشير البعض الى ان الحكومة التي خططت لهذه الحرب وجدت نفسها الان في ورطة كبيرة ، إذ انها الان بين نارين إذ ليس بمقدورها الخروج من وحل الانبار ، فلا الجهات التي اعتمدت عليهم من بعض شيوخ الانبار قد وجدوا مخرجا لأزمة محافظتهم ولا قواتها المسلحة قد حسمت المواجهة معه ان لم تكن تكبدت خسائر فادحة، وبقيت الأزمة تزداد تصعيدا وخطورة حتى أصبح حل أزمة الانبار يكاد يكون من المستحيلات.
فالانبار تحولت الى ساحة اصطراع رهيبة لجماعات مسلحة وقوى عشائرية متناقضة في الرؤيا والاهداف والتوجهات، ويقول المحللون إن الحرب على الانبار اليوم تحولت إلى ساحة حرب رهيبة ، كان هدف اخراجها من الانتخابات هو احد الاهداف الاساسية ،اضافة الى تدمير هذه القلعة التي تعد ربما اخر قلاع العروبة التي يفتخر بها أي عراقي .

