صاح أحد الخطباء على منبر الجامع الأموي يوم الجمعة: «من أراد أن يتعلم الديمقراطية الحقيقية فليأت إلى دمشق، فبشار الأسد هو ابن الشعب وابن دمشق». هذه المقولة وغيرها من الحملات الانتخابية التي تروج على قدم وساق للانتخابات الرئاسية المقررة في سوريا في الثالث من يونيو، توحي للوهلة الأولى بأننا أمام بلد ينتعش سياسياً ويمارس «العرس الديمقراطي الانتخابي»، على حد تعبير الفنان السوري الموالي للنظام دريد لحام، بغض النظر عن أن ثلاثة أرباع سوريا خارج سيطرة الأسد.

وتشير المعطيات الجغرافية إلى تحطم هذه الصورة الوهمية فوراً، ما يجعل من هذه العملية الانتخابية الشكلية أشبه بمهزلة العصر، إذا أخذنا بعين الاعتبار التفكك الحاصل في الخارطة البشرية والجغرافية الراهنة لسوريا. فمنذ ثلاث سنوات على الحراك الثوري الذي تحول إلى صراع مسلح وشبه حرب أهلية بسبب العسكرة والأسلمة التي فرضها النظام، أصبحت سوريا عموماً مقسومة إدارياً وسياسياً إلى أربع مناطق، الأولى تحت سلطة النظام..

والثانية تحت نفوذ حزب الاتحاد الديمقراطي وهي مناطق الإدارة الذاتية بمقاطعاتها الثلاث، والثالثة هي المناطق التي تحت سيطرة «داعش»، والرابعة تلك المناطق التي تخضع لنفوذ الفصائل الإسلامية والجيش الحر والتي تمثلها الحكومة المؤقتة التي شكلها الائتلاف الوطني السوري.

رفض مطلق

هذا الوضع الميداني المرسوم يؤكد بوضوح أن المناطق الثلاثة الخارجة عن دائرة نفوذ النظام تشكل أكثر من 65 في المئة من مساحة سوريا على أقل تقدير، مما يعني أن صناديق الاقتراع ستحمل رفضاً مطلقاً، وخاصة أن الأطراف الثلاثة المتصارعة مع النظام شكلاً أو مضموناً ترفض الاعتراف بسلطة النظام.

ولدى إجراء مسح سريع لمعرفة مواقف الأطراف الثلاثة، قد نجد أن البنية العقائدية لتنظيم «داعش» تكفر منطق صناديق الاقتراع من جذوره، فهو في الأصل يحارب خصومه ويفرض نفوذه تحت ذريعة محاربة الفكر الديمقراطي حتى وإن كان هذا الفكر يأخذ طابعاً شكلانياً. بينما حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يخضع المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال شرقي البلاد تحت نفوذه، فهو يقدم طروحاته سياسياً وعسكرياً على أنه ملتزم بـ«الخط الثالث» الرافض لفكرة الانتخابات الأحادية..

مؤكداً أن خياره السياسي يمر عبر مسار الحل السياسي عبر التسوية الدولية. ويبقى موقف الطرف الثالث المتمثل بالجيش الحر والفصائل الإسلامية الأكثر راديكالية في التعامل مع هذه المسألة، حيث إنهم يستهزئون من فكرة ترشيح الأسد لنفسه، فهو بنظرهم يعكس صورة مجرم الحرب ولا بد اجتثاث نظامه من الجذور.

أبعاد كارثية

وعليه، ستحذف سلفاً أصوات الكتلة البشرية الموزعة بين هذه المناطق الثلاث من الخريطة الانتخابية، والتي تشكل ثلثا مساحة سوريا اليوم. حيث تتحدث تقارير صادرة عن مراكز البحوث السياسية، بأن خسائر الشعب السوري طيلة أكثر من 37 شهراً من النزاع المسلح بلغت أبعاداً كارثية لم يسبق حصولها منذ الحرب العالمية الثانية..

حيث لا يوجد تقدير حقيقي لعدد الموجودين في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام من الذين يحق لهم التصويت، وتشير تلك المراكز بأن هناك نحو 12 مليون سوري بين لاجئ ونازح، في الخارج والداخل، أي ما يُقارب نصف عدد سكان سوريا. وهناك نحو مليون سوري أو أكثر ما بين مفقود ومقتول ومعتقل ومثلهم أصيبوا بجراح.

وتبعاً لهذه التصورات ستكون هذه العملية الانتخابية بمثابة اختبار حدود نفوذ الأسد على الخارطة السورية. كما أنها ستكون «أضعف انتخابات» منذ استقلال سوريا من حيث المشاركة وفقاً للأرقام الرسمية الصادرة من الجهات الحقوقية التي تشير إلى أن عدداً من يحق لهم التصويت في الحالة الطبيعية كان يبلغ حوالي خمسة عشر مليون ناخب، أما نسبة القادرين على التصويت فلن تتعدى نصف الناخبين الذين يحق لهم التصويت. وبما أنه في الأحوال العادية لم تتعدَ نسبة المشاركة في أية انتخابات سابقة الـ 25 بالمئة، ففي الظروف الحالية غير الآمنة لن يشارك ربع هذا العدد.

تعقيدات

 تقول المعارضة السورية إنه من المستحيل إجراء انتخابات رئاسية في سوريا، فيما تعج المعتقلات بمئات الألوف ويبحث الأهالي عن عشرات الألوف من المفقودين، ويجلس في مخيمات اللجوء نحو خمسة ملايين سوري، ويعيش أكثر من سبعة ملايين نازح بعيدين عن مساكنهم، ما يعني أن نحو نصف الشعب السوري لن يستطيع المشاركة في الانتخابات، فضلاً عن أن هيمنة أجهزة الأمن مازالت مطلقة في المدن السورية التي يمكن أن تجرى فيها الانتخابات، مما يعني أن عدم التصويت للأسد أشبه بالانتحار. البيان