قلب قرار إثيوبيا الجريء تمويل مشروع لإقامة سد ضخم بنفسها، السيطرة المصرية التي استمرت أجيالاً على مياه نهر النيل رأساً على عقب، وربما يسهم في تحويل واحدة من أفقر دول العالم إلى مركز اقليمي لتوليد الكهرباء من المصادر المائية.

ورفضت أديس أبابا عرضاً من القاهرة للمساهمة في تمويل السد وضمنت بذلك سيطرتها على إقامة سد النهضة على أحد الروافد الرئيسية لنهر النيل. ومن الممكن تصدير الكهرباء التي سيتم توليدها من السد إلى دول المنطقة التي تحتاج إليها بشدة. وتكفي كهرباء السد لتغطية احتياجات مدينة عملاقة مثل نيويورك.

لكن قرار تمويل المشروع الضخم نفسه يحمل في طياته خطر خنق استثمارات القطاع الخاص وتقييد النمو الاقتصادي وربما يعرض للخطر حلم إثيوبيا أن تصبح دولة متوسطة الدخل بحلول عام 2025.

أكبر السدود

تم حتى الآن بناء ربع السد وتقول إثيوبيا إنه سيبدأ توليد 750 ميغاوات من الكهرباء بنهاية العام الجاري. ويعمل المهندسون في الأرض الرملية لوادي جوبا قرب الحدود السودانية على صب الأساسات الخرسانية للسد الذي سيرتفع 145 متراً وستولد توربيناته عند اكتماله 6000 ميجاوات من الكهرباء ليصبح أكبر سدود القارة إنتاجاً للكهرباء.

وحتى الآن دفعت إثيوبيا 27 مليار بر (1.5 مليار دولار) من إجمالي التكلفة البالغة 77 مليار بر للمشروع الذي سيؤدي إلى إيجاد بحيرة طولها 246 كيلومتراً.

الأدوار الدبلوماسية

أعاد تحول إثيوبيا من كارثة اقتصادية قادرة بالكاد على توفير الغذاء لشعبها إلى قوة اقليمية صاعدة قادرة على التمويل الذاتي لمشروعات ضخمة توزيع الأدوار الدبلوماسية في دول حوض النيل أهم الموارد الطبيعية في شمال شرق أفريقيا.

ولجأت إثيوبيا لإجراءات مثل إرغام البنوك التي تقدم القروض للقطاع الخاص على تخصيص ما تعادل نسبته 27 في المئة من اجمالي قروضها للحكومة بعائد منخفض فيما يمثل ضريبة على الاقراض الخاص.

ويجري العمل على بناء مزيد من السدود ويعمل رئيس الوزراء هيلامريم ديسالين بوتيرة سريعة لضمان ابرام اتفاقات لبيع الكهرباء في الخارج. ومن نقطة على النيل تمتد الخطوط شمالا عبر السودان وعبر الصحراء الكبرى حتى المغرب كما تمتد جنوباً حتى جنوب افريقيا لتربط كينيا ورواندا وتنزانيا وغيرها من الدول المتعطشة للكهرباء.

أمن قومي

وما دامت إثيوبيا ترفض التمويل الخارجي فلا يبدو أن القاهرة تملك وسيلة تذكر لوقف بناء السد. ومن بين مخاوف القاهرة هاجس أن يؤدي ملء خزان السد الجديد الذي تبلغ سعته 74 مليار متر مكعب بالمياه على سنوات إلى قطع تدفق المياه عن النهر مؤقتاً وأن يؤدي تبخر المياه من سطح البحيرة التي ستتكون خلف السد إلى تقليص حصتها.

وقال خبير المياه كلاوس لانز مشيرا إلى نقص المياه في مصر: «مشاكل المياه حتى من دون هذا السد كبيرة للغاية». كما اكد مسؤول إثيوبي رفيع طلب عدم نشر اسمه: «سنكمله سواء أرادوا أم أبوا. لكننا سنواصل بالطبع التفاوض في الوقت نفسه».

بدوره أكد الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية، بدر عبد العاطي، لـ«رويترز» : «ليس لدينا موارد أخرى. ولذلك فالمسألة ليست نكتة. فنحن لن نسمح بتعريض مصالحنا الوطنية وأمننا القومي... للخطر».

6 سنتات

قال رئيس التخطيط لقطاع الشركات بشركة الكهرباء الحكومية الإثيوبية، ميكوريا ليما: «قبل أن تبدأ جيبوتي في الحصول على الكهرباء من إثيوبيا كان سعر الكهرباء فيها 30 سنتاً أميركياً للكيلووات. أما نحن فنبيع لها بسعر ستة سنتات».