تعبيرات الأسف والخيبة والتخوف المزعوم على المفاوضات التي ردّدتها الجوقة الإسرائيلية في واشنطن ومنها الخارجية الأميركية، ردّاً على مصالحة حركتي فتح وحماس كادت أن تتهم الجانب الفلسطيني بأنه فجّر «عملية السلام» السلسة الواعدة بحزام ناسف. أن يعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عن حرصه المزيّف على العمل مع السلطة الفلسطينية دون غيرها سعياً إلى «السلام»، أمر مفهوم وثعلبة مألوفة. ومألوف أيضاً أن تنحاز واشنطن لإسرائيل وأن تغطي على تخريباتها ولا تشير إليها سوى في بعض الأحيان وبصورة خجولة. لكن أن تسارع إلى تسويغ رفض إسرائيل التفاوض مع حكومة تحالف فلسطيني جديد، بزعم أنه لا يمكنها الحوار مع طرف «حماس » لا يعترف بوجودها فذلك لا يقل عن تسويغ للنفاق الذي يتقنه ويمارسه نتنياهو. لقد مضى أكثر من عشرين سنة على المفاوضات التي كانت تجري مع السلطة لوحدها، من دون تحقيق أي تقدّم. اللهمّ التقدّم الإسرائيلي في قضم الأراضي الفلسطينية. بل لم تقوَ مفاوضات تسعة أشهر مع السلطة، تخللتها 11 زيارة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري؛ على حمل إسرائيل لتنفيذ تعهّدها بإخلاء دفعة من الأسرى الفلسطينيين. وبالنهاية تعرب الخارجية الأميركية عن «خيبة أملها» وأسفها بزعم أن «التوقيت» غير مناسب للتوافق الفلسطيني، وكأن طبخة الدولتين كانت على وشك النضوج وجاءت المصالحة للإطاحة بها. كل مسلسل العرقلة والتخريب الإسرائيلي لعملية التفاوض، والذي اشتكى ولو مواربة، من حلقته الأخيرة الوزير كيري قبل أسبوعين أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، صار قصة باهتة أمام فعلة جمع الشمل الفلسطيني، هذا إذا تحقق الجمع.
تضخيم
الواقع أن العزف على وتر تضخيم هذا التطور الفلسطيني، له أكثر من غرض. فالإدارة تتعامل معه تقول إنه فاجأها كذريعة لتبرئة نفسها من مسؤولية وصول العملية إلى الطريق المسدود، مع نهاية المهلة في 29 الجاري. لا يسعها حسب زعمها، مطالبة إسرائيل بالتفاوض مع جهة سياسية تشكل حماس جزءا منها. ثم إن الاستياء، الإسرائيلي والأميركي، مرتبط فعلاً بالتوقيت من حيث كونه يعطي الطرف الفلسطيني المزيد من التحصين لموقفه التفاوضي كما الدولي. فإسرائيل طالما تذرّعت بالانقسام الفلسطيني لتزعم بأنه لا يوجد أمامها طرف واحد قادر على النهوض بموجبات السلام. وواشنطن كانت تتقبل هذا الزعم. على الأقل لم تنقضه. الآن صار الطرف الواحد بمثابة المخرّب للعملية. إسرائيل تريد حماس بحالها، لتطلق الصواريخ عليها من حين لآخر كي تبقى تردّد هي وجماعاتها في واشنطن بأنها «أعطت غزة فأعطاها الفلسطينيون الصواريخ». المصالحة، لو تحققت تحرم إسرائيل من هذه المعزوفة التي طالما تلطّت خلفها للتملص من التزاماتها. وربما كانت الهبّة بهذه الصورة لأن هناك ترجيحا بأن العودة إلى الوحدة الفلسطينية جديّة هذه المرة على أساس أن «الجانبين بحاجة إليها». لكن من دون إسقاط احتمال أن تكون الخطوة «مجرد تكتيك آخر لجأ إليه الرئيس محمود عباس للضغط» على واشنطن وإسرائيل معاً. وذلك بالإشارة إلى تلويحه قبل يومين بورقة حلّ السلطة وتحميل إسرائيل عبء إدارة الضفة الغربية.
ابتزاز
الخارجية الأميركية تقول إن المساعي لتمديد المفاوضات ما زالت جارية. الفريق الأميركي برئاسة مارتن انديك ما زال هناك يواصل اتصالاته بالطرفين. وعاد الوزير كيري أمس وأكد ذلك. وكأن في الأمر محاولة لتدفيع الطرف الفلسطيني ثمن المصالحة، على شكل تنازل يجري ربط مواصلة المفاوضات به، مع التهديد بقطع المساعدات الأميركية للسلطة لو رفضت تلبية المطلوب منها. الإدارة لا تريد قطع الشعرة مع السلطة، كي لا ينهار مشروع راهنت عليه بقوة. في ذات الوقت لا تكف عن عصر الجانب الفلسطيني لاسترضاء إسرائيل. معادلة لم ولن تنته إلى شيء. أسف روسي
أبدت وزارة الخارجية الروسية أسفها لقرار إسرائيل وقف مفاوضات التسوية مع الفلسطينيين، عقب المصالحة الفلسطينية. وذكر بيان لوزارة الخارجية الروسية أمس، إنها لا تستطيع إلا أن تبدي الأسف والاستغراب من قرار الحكومة الإسرائيلية». موسكو يو.بي.أي