مرة أخرى، تنجح موسكو بترك الدبلوماسية الأميركية تركض وراء السراب. في جنيف السورية الأولى، مرّرت صيغة غامضة حول «المرحلة الانتقالية» حيث أبقت وضع الرئيس السوري بشار الأسد خارجها؛ وأقنعت واشنطن بالموافقة عليها تحت زعم أن البحث بتفاصيلها يجري في جنيف 2. وعندما عقدت هذه الأخيرة قيل إن الانتقالية لم تلحظ شيئاً من هذا القبيل، ما أدى إلى انهيار الحوار. والآن تكرر الأمر ذاته في اجتماع جنيف الرباعي الأخير حول أوكرانيا الذي خرج باتفاق «لخفض التوتر» ومباشرة الحوار بين موسكو وكييف. توافق يحتمل أكثر من تفسير. موسكو ترى أن تخفيف التوتر يعني الرضوخ لشروطها في تركيبة الدولة الأوكرانية. إذا بقيت دولة. وخصوصاً في القسم الشرقي المجاور لروسيا. وكييف ترى أن ذلك يتطلب وقف التدخل الروسي في قسمها الشرقي، التي تخشى سلخه عنها بعد أن ضمت موسكو القرم إليها.

تردد أميركي أوروبي

للخروج من الدوامة، بقيت واشنطن تلهث وراء موسكو لحملها على الوفاء بما وعدت به وسحب دعمها للتمرد في شرق أوكرانيا. وزير الخارجية الأميركي جون كيري يتحدث يومياً مع نظيره الروسي سيرغي لافروف. نائب الرئيس الأميركي جو بايدن يزور كييف لمنح الدعم وتقديم مساعدة بقيمة 15 مليون دولار! الكونغرس يرفع مع قسم كبير من الإعلام درجة الضغط لشن حرب العقوبات على موسكو. البيت الأبيض متردد رغم تلويحه بهذه الورقة. ناهيك عن تردد الأوروبيين بخصوصها. الموضوع هنا أن واشنطن تواصل خسارة الجولات الدبلوماسية، فيما تتفوق موسكو عليها بالتكتيك وتسجّل مكاسب راهنة على الأرض، بقطع النظر عما إذا كانت قصيرة أو بعيدة المدى. ربما لأن الكرملين يسير وفق استراتيجية هادفة وحاسمة، في حين تعمل واشنطن بسياسة ردّ الفعل، علّها تلجم اندفاع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتقلل الخسائر. لكن بدون جدوى. وإذ تتقاطع قراءات المراقبين عند وضع هذه السياسة في خانة القصور، إلاّ أنها تتنوع في تشخيص أسبابها. معظمها يعزي ركض دبلوماسية الإدارة وراء الأحداث على غير طائل، إلى نهجها المتذبذب الذي كانت ذروته في «الخط الأحمر» السوري الشهير. ولطالما ربط المحللون بين ذلك التراجع وبين اندفاع بوتين في أوكرانيا. على الأقل، شجّعه ذلك على المضي في خطته والإسراع في تنفيذها. سواء لعب هذا «الخط» دوره في قضية أوكرانيا أم لا، إلاّ أنه صار محطة يشار إليها في المداولات الجارية كلطخة في سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما الخارجية. وليس فقط من جانب خصوم الرئيس لتسجيل النقاط ضده؛ بل أيضاً من قِبل خبراء سبق وعملوا في إدارته، مثل وزير الأمن الداخلي مايكل شارتوف الذي أخذ على البيت الأبيض عدم وفائه «بتعهداته الأمنية»، مشيراً إلى الأذى الذي تسبب به التراجع عن ذلك «الخط» وفي أزمة أوكرانيا بالذات.

ضعف المهنية

علاوة على ذلك، ثمة من يرى أن هناك عطباً آخر، يتمثل في «ضعف المهنية» التي تعاني منها الدبلوماسية الأميركية. فصنع القرار الخارجي، يجري حالياً في البيت الأبيض ويشارك فيها فريق «مسيّس اكثر مما هو محترف» ويعمل لملاءمة المواقف مع مقاربات الرئيس أوباما وليس مع متطلبات اللحظة. ثم إن 75 في المئة من المواقع الرئيسية المعنية برسم السياسات في وزارة الخارجية، يشغله غير دبلوماسيين محترفين، كما قال الباحث جيمس برونو. في المقابل، قدّم صورة عن مهنية الدبلوماسيين الروس أثناء اجتماع جنيف الرباعي، الذين توزعوا الأدوار التي تراوحت بين «الترويج لطروحات بوتين وبين توسيع شقة الخلاف بين واشنطن وحلفائها مروراً بالسعي لتقليص حجم العقوبات ضد بلادهم». مثل هذه المهنية تفتقدها الدبلوماسية الأميركية، على ما يقول. وفعلاً هناك شيء من هذا النوع، انعكس في التسريبات التي أوحت بوجود ارتباك وتباين داخل الإدارة حول كيفية التعامل مع الملفات الخارجية، خاصة وأن «جنيف» الأوكراني يسير على طريق «جنيف» السوري نحو النهاية ذاتها.