عندما يدلي السياسي أو البرلماني العراقي بتصريح، أو رأي، في قضية ما، غالبا ما تكون مطروحة إعلاميا فقط، ثم يجد في اليوم التالي، أو بعد ساعات، أن موقف قيادة كتلته مخالف لما أدلى به، أو أن القضية التي تحدث عنها غير موجودة أساسا، فهو لا يمتلك إلا نفي كلامه، واتهام الإعلام بالفبركة، وفي أحسن الحالات يدعي أن ما قاله، تم فهمه وتأويله بشكل خاطئ، ولا يمتلك الجرأة أو الشجاعة على القول انه أبدى رأيا شخصيا، أو أن المعلومة التي تحدث عنها تلقاها من أجهزة إعلامية، وهو لا علم له بها.
وبحسب الكاتب والمحلل السياسي دريد سلمان، فإن الساسة العراقيين، «عادة ما يطلقون تصريحات نارية يومياً، لكن أغلبهم اعتادوا على نفيها لاحقاً أو التراجع عنها، في ظاهرة غالباً ما تثير ردود فعل استهزائية من قبل الشارع الذي يعدها دليلاً على عدم اتزان أصحابها وقلة مصداقيتهم وشجاعتهم».
تبعية الآراء
ويعكس سلوك التراجع عن الكلام، بحسب مراقبين، عدم استقلالية آراء العديد من النواب والمسؤولين، وهو يعد سلوكاً منافياً للأخلاق، وربما يترجم قلة ثقافتهم، وذلك في المحصلة يهز ثقة الجمهور بمن يطل عليهم يوميا بسيل من التصريحات.
ويقول مدير «مرصد الحريات الصحافية» زياد العجيلي إن «إطلاق التصريحات ثم نفيها أو التراجع عنها بات أمرا مألوفا في السياسة العراقية»، مبينا أنه «يرتبط بطبيعة المشهد السياسي ونوع الصراع والجهة المستهدفة».
ويشير العجيلي إلى أن «أغلب السياسيين في العراق يتوجهون إلى شرائح اجتماعية ليست معقدة ويرون أنها تتقبل التصريحات التي تؤجج العنف، ثم تتلقف التصريحات الداعية إلى التسامح والتهدئة عندما تكون في مرحلة الركون إلى الهدوء، وبذلك بعد سجال طويل ومعاناة».
ويوضح العجيلي أن «السياسيين يتراجعون عن اغلب تصريحاتهم لأنهم يتصلون بأكثر من طرف ويخاطبون أكثر من شريحة ولديهم مصالح مع جهات عدة يتطلب التواصل معها تغيير القناعات»، لافتا إلى أن «ذلك لم يعد أحد أشكال النفاق ما دام النفاق أصبح من المسلمات لأنه يحاكي طبيعة الثقافة العراقية الجديدة، ونوع الصدام الذي تعاني منه الدولة في أشكال مختلفة».
ازدواجية الآراء
أما رئيس تحرير وكالة «أنباء بغداد الدولية» عادل فاخر، فهو يرى أن «تصريحات السياسيين خاضعة للمركزية في العادة»، موضحا أن «كل مسؤول يصرح يعكس وجهة نظر الحزب الذي ينتمي إليه، حتى وإن كان وزيرا أو نائبا».
ويقول فاخر إن «بعض السياسيين يصرحون دون موافقات مسبقة من أحزابهم أو بما لا ينسجم مع سياسة الأحزاب التي ينتمون إليها، فيتلقون اللوم، وسرعان ما يتراجعون عما أدلوا به».
أما بخصوص الوعود، فيؤكد فاخر أن «من النادر جدا تحقيق وعد قطعه سياسي أو وزير أو نائب، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار الفترة الحالية، حيث تفسر كل التصريحات والوعود على أنها دعاية انتخابية».
ميثاق شرف
يعتبر رئيس «الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحافيين» إبراهيم السراجي، «التراجع عن التصريحات جبن سياسي واضح وصريح»، مؤكدا أنه «سلوك يؤدي إلى اهتزاز ثقة الجمهور بالسياسي، وبالتالي لا يمكن للشعب أن يمنحه الثقة أو يصوت له، بل سيضعه في خانة الكذابين».
ويبين أن «العلاج الأنسب لهذا السلوك هو سن قانون أو ميثاق شرف بين السياسيين يحد من الحالات الشاذة التي لا تخدم العراق والعملية السياسية، وأن يتحلى السياسي بالشجاعة والثقة بالنفس».