فوز الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بعهدة رابعة ، في واحد من أصعب وأغرب الاستحقاقات الرئاسية التي عاشتها البلاد منذ الاستقلال، يكون قد نجح في إضافة خمس سنوات جديدة لعمر النظام القائم، في وقت تتربص بحدود البلاد المترامية تحديات أمنية وتحرشات أجنبية يتعين عدم التقليل من خطورتها، والاستعداد لاحتمالات الصدام معها من خلال تحصين الصف الداخلي، ببناء توافق يستقطب جميع الفرقاء السياسيين.

ورغم أن فوزه بالانتخابات لم يكن بمثابة المفاجأة بالنظر الى الكثير من المعطيات التي رافقت الحملة وقبلها، فإن أهم ما أمكن ملاحظته بشأن العوامل التي دفعت الناخبين الجزائريين إلى اختياره، هو الحرص الجماعي للمحافظة على الاستقرار في بلد يعيش وسط محيط إقليمي ملغم بالحروب ومتشبع بالاحتقانات والأزمات.

قد يكون من حسن حظ الجزائريين أن الموعد الانتخابي الرئاسي أتى ثلاث سنوات بعد اندلاع حراك ما يسمى «الربيع العربي »، وقد نقلت شاشات التلفزيون ما لذلك الحراك من إيجابيات وما عليه من سلبيات. وقد لعب ورقة الاستقرار الداخلي والتهديدات الخارجية دورا هاما في التعبئة السياسية وشكلت وقودا للحملة الدعائية للانتخابات بحيث تنافس الجميع على تقديم نفسه الدرع الحامي للبلد من أية مخاطر خارجية لاسيما تلك التي تحدق بالبلد عبر حدودها الشرقية والغربية والجنوبية.

تجند عفوي

يمكن في قراءة أولية ملاحظة أن الجزائريين اختاروا منطق «الاستقرار» حتى في الظروف الصحية للرئيس الفائز بولاية رابعة، ولعل ما ساهم في تأكيد حظوظ بوتفليقة في الفوز بالرئاسيات، هو دخول أكثر من جهة سواء كانت أحزابا أو حركات شبانية، في اللعب على وتر الشارع من خلال التحريض والتجييش، في مسعى لاستنساخ ثورة شعبية بالجزائر مثلما جرى في بلدان الجوار، وهو الأمر الذي يكون قد ولد نوعا من التجند العفوي وسط الجزائريين بسبب الخوف من مواجهة مصير مجهول.

غرداية تنتخب

وما يؤكد ذلك تصويت سكان غرداية جنوب الجزائرالتي تعصف بها أزمة طائفية عنيفة منذ شهور لصالح بوتفليقة الذي حقق أكثر من 90 بالمئة من الأصوات، وهوما يعكس حجم الخوف من التغيير الذي بات مرادفا عند كثير من الجزائريين للدخول في مغامرة «مجهولة».

لقد أصبحت الانتخابات حدثا من الماضي لكن المستقبل يعدنا بمزيد من التحديات، ولدى الجزائر الآن فرصة للالتفات إلى الحقائق التي تواجهنا، فالمخاطر التي يشعر بها الجزائريون لا علاقة لها بالانتخابات، والذين قدموا ضمانات الاستقرار عليهم أن يفعلوا الكثير من أجل جعل الاستقرار أكثر متانة من أن يزعزعه موعد انتخابي.

 المرتبة الثالثة

في كل موعد انتخابي يثبت حزب الأوراق الملغاة تفوقه على المترشحين. ففي الانتخابات الرئاسية في 2009 تفوق المصوتون بالأوراق البيضاء على المقاطعة والمترشحين الباقين ماعدا بوتفليقة بتجاوزهم عتبة المليون

الظاهرة تجددت في انتخابات 2014 حيث تجاوزت نسبة الأوراق الملغاة المليون ورقة من مجموع أكثر من 10 ملايين انتخبوا. حيث حصل بوتفليقة على أكثر من 8 ملايين صوت و حصل بن فليس على نحو مليون صوت، وجاء في المرتبة الثالثة «الحزب الأبيض»، في إشارة إلى الورقة البيضاء ، حيث لم تستطع 4 شخصيات مترشحة في مجموع نسبها على تحقيق واستقطاب ربع هذا العدد.