شكلت استقالة رئيس الوزراء الليبي عبدالله الثني قبل ايام صدمة قوية في الشارع الليبي، إذ كانت غير متوقعة على الأقل خلال هذه الفترة الحرجة.
وأتت الاستقالة ـ الصدمة بعد أيام قليلة من تكليف المؤتمر الوطني العام له بتشكيل حكومة جديدة، كما أتى اعتذار الثني في أعقاب حجب الثقة عن رئيس الوزراء السابق علي زيدان ليكون بمثابة الضربة القاضية لآخر أمل لإنقاذ الدولة الليبية من الانهيار، وهو ما جعل البعض يتحدث عن خطوة جديدة نحو «صوملة» ليبيا بعد خطوة أولى تمثلت في هروب زيدان.. في وقت لم يعد خفيا تقويض الميليشيات لسلطة الدولة الذي بات واضحاً للعيان في جميع أنحاء البلاد.
ويرى مراقبون أن الظروف التي أوكلت فيها مهمة تشكيل الحكومة إلى الثني لم تكن عادية، فمنذ لحظة تكليفه انقسم النواب في المؤتمر الوطني العام حول هذه الشخصية، إذ وصف بعضهم تكليف الثني بأنه «غير قانوني» باعتبار انه لم يحصل سوى على تأييد 42 نائبا من أصل 76 حضروا الجلسة.
نخبة منقسمة
ويبدو كما هو واضح من مجريات الأحداث أن الحبل الملفوف حول عنق ليبيا، والذي يزيد الخناق عليها يوما بعد يوم، لن يستطيع أحد أن يحررها منه، بل ربما تلفظ أنفاسها الأخيرة قبل أن تجد من ينقذها من الموت، كما هو واضح أيضا أن النخبة السياسية الليبية منقسمة اليوم حول تصورها لمستقبل الكيان الوطني.
في وقت تزداد فيه دعوات المطالبين بالانفصال وإقامة دولة أقاليم فيدرالية وهو ما اعتبره مراقبون دليلا واضحا على أن الحلقة الأضعف في الحال الليبية اليوم هي غياب الدولة وعدم القدرة على بسط سيطرتها على كامل تراب البلد المترامي الأطراف، بسبب ضمور المؤسسة العسكرية ووجود ميليشيات أكثر منها عددا وأقوى تسليحا.
ورغم مرور قرابة ثلاث سنوات على انهيار نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي إلا أن هناك من يلقي اللوم على هذا النظام في تفكيك مفهوم المواطنة لدى أفراد الشعب الليبي الذي لعب دوراً، بحسب هؤلاء، في وصول ليبيا إلى هذه الوضعية عندما زرع الفكر القبلي والعشائري وجعل الولاء للقبيلة، معتمدا في ذلك سياسة فرق تسد التي كان ينتهجها المستعمر خلال القرن الماضي من أجل الحفاظ على خيرات مستعمراته.
وهو ما ترجم على ارضية الواقع من خلال رفض عدد من الميليشيات إلى اليوم إلقاء سلاحها تجاوبا لأنها لا تشعر بالأمان إذا ما فعلت ذلك، وتجد في السلاح مصدر امان واطمئنان، وهذا ما يفسر أيضا لجوء حراس آبار النفط في الشرق تفضيل أساليب الابتزاز المسلح على المفاوضات.
عجز لا متناه
إن الاعتداء الذي تعرض له رئيس الوزراء المكلف ودفعه للاعتذار عن تشكيل الحكومة، ليس هو فقط ما يعكس الوضع في ليبيا، حيث إن الدولة أصبحت دولة ميليشيات قائمة على العنف واغتيال السياسيين واختطافهم، فاختطاف قادة إحدى الميليشيات رئيس الحكومة السابق علي زيدان من فراشه ثم إطلاقه بعد ساعات علامة أخرى على انهيار الدولة الليبية.
ويرى مراقبون أن العجز اللامتناهي للدولة والفشل السياسي في تكوين حكومة وطنية صامدة قد يدفع بليبيا إلى هاوية «الأفغنة».
إضاءة
شغل عبدالله الثني (60 عاما) منصب وزير الدفاع في الحكومة السابقة التي كان يقودها علي زيدان، وهو ضابط متقاعد في الجيش منذ العام 1997، ودرّس في الأكاديمية العسكرية في العاصمة طرابلس في الثمانينات.
وبعدما حجب المؤتمر الوطني الثقة عن زيدان، عين مكانه الثني رئيساً مؤقتاً للوزراء لتسيير الأعمال، غير انه اعتذر.

