لأول مرة في تاريخ الانتخابات الرئاسية الجزائرية، تسبق الاستحقاق حالة من الاضطرابات، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو حتى الاقتصادي، إذ يعيش الشارع الجزائري قبيل أيام من الانتخابات الرئاسية المصيرية المرتقبة الخميس المقبل حالة من الانقسام بين مؤيد لترشح الرئيس المنتهية ولايته عبدالعزيز بوتفليقة، على الرغم مما يثار من تقارير عن وضعه الصحي.

ويعتبره داعموه بمنزلة صمام الأمان أمام موجة ما يعرف على الساحة الإعلامية بـ«الربيع العربي»، في حين يرفض البعض الآخر القبول بعهدة رئاسية رابعة له ليس بسبب وضعه الصحي فحسب، بل خوفاً من إقرار مبدأ الحكم مدى الحياة، لا سيما أن الدستور الجزائري لا يحدد عدد الممد الرئاسية، ما يعني احتمال بقاء بوتفليقة أو غيره من الرؤساء القادمين مدى الحياة، وهو ما يتنافى مع النظام الجمهوري، على حد رأي المعارضة.

وفي وقت يجوب رئيس الوزراء السابق، مدير حملة بوتفليقة، عبدالمالك سلال الولايات الجزائرية، مذكراً بإنجازات الرئيس المنتهية ولايته الاقتصادية والسياسية، ومنتهزاً فرصة ما يجري في دول الجوار، لتمرير خطاب يحمل في طياته تحذيرات من تداعيات عدم منح بوتفليقة عهدة رابعة على مستقبل الجزائر الأمني، يذهب المتنافسون الآخرون إلى الحديث عن إصلاحات دستورية ضرورية، أهمها وضع مادة دستورية تحدد عدد المدد الرئاسية، ورفض ما وصفوه بـ«نظام ملكي» بغطاء جمهوري، وهو ما أشار إليه صراحة مرشح الجبهة الوطنية موسى تواتي في تصريحات صحافية أدلى بها لصحيفة «ليبيرتي» الجزائرية والناطقة باللغة الفرنسية.

مخطط النظام

ويرى تواتي في تصريحاته أن «الشعب الجزائري لديه من الوعي ما يؤهله إلى أن يبطل مخطط النظام في مساعيه الرامية إلى إبقاء بوتفليقة رئيساً مدى الحياة، وهذا يظهر من خلال المطالب الاجتماعية والسياسية التي ترجمت في مسيرات وتظاهرات قبل أيام من الاستحقاق الانتخابي المرتقب».

وتساءل مرشح الجبهة الوطنية عن «الأسباب الحقيقية التي تقف وراء دعم المسؤولين المنضوين تحت النظام من دون أن يسميهم لبوتفليقة: فهل هي فعلاً حب الوطن أو الاقتناع ببرنامج الرئيس أو الحفاظ على المصالح الشخصية، لا سيما في ظل حال بوتفليقة الصحي؟». غير أن تواتي لم يُخْفِ بتاتاً أن دافع هؤلاء هو «المصلحة الشخصية»، رافضاً ما أسماه تحويل الجزائر إلى «مملكة أو نظام ملكي».

ودعا أصحاب هذه الفكرة، مسمياً سلال، إلى «الرحيل من الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، لأن الجزائريين لن يقروا مبدأ عدم التداول على السلطة في 17 الجاري»، ومنتقداً تصريحات وزير الأشغال العمومية السابق عمّار غول التي قال فيها إن الجزائر ستختار بوتفليقة ملكاً في الاستحقاق الانتخابي.

كما دعا تواتي إلى «حماية الجزائر من الأخطار التي تحدق بها من الداخل والخارج»، وقال إن «ممارسات الحقرة والتهميش والإقصاء التي يعيشها الجزائريون تستدعي منا التلاحم والتضامن في ما بيننا، عن طريق نبذ خلافاتنا ومواجهة أولئك الذين صادروا سلطة الشعب وخيراته».

السلاح الأمني

في المقابل، يعمل الفريق الداعم لترشح بوتفليقة لعهدة رئاسية رابعة بزعامة سلال على تذكير الجزائريين بإنجازات بوتفليقة، لا سيما في المجال الأمني، محذراً مما وصفه «تربص الأعداء ومحاولة جر الجزائر إلى مستنقع الربيع العربي».

في هذا الإطار، نظم كل من عمّار غول ووكيل مرشح الرئيس المنتهية ولايته عمارة بن يونس تجمعاً شعبياً بإيليزي (أقصى جنوبي الجزائر).

وبدأ غول الخطاب بضرورة المحافظة على الأمن واستقرار المنطقة، لا سيما لكونها على الحدود التي تعرف توتراً أمنياً، كما ناشد المواطنين بالقاعة ألا يغرر بهم أحد. كما قام بشرح البرنامج الخاص بالمرشح بوتفليقة، إذ أكد غول أنه يوجد برنامج مع الرئيس خاص بالمنطقة، وذلك في ما يخص ملف تشغيل الشباب الذي يعرف حساسية كبيرة في الولاية، يتضمن آليات جديدة تتناسب مع متطلبات الشباب، كما وعد سكان ولاية إيليزي بأنه سيتم ربط الولاية بخط السكة الحديدية لتسهيل تنقل المواطنين والبضائع، وذلك في حال انتخاب المرشح بوتفليقة.

بدوره، كشف سلال أن الرئيس يلتزم بتعديل الدستور هذا العام، وترسيخ ديمقراطية تشاركية، معلناً عن مباشرة إصلاحات دستورية لتوسيع صلاحيات ممثلي الشعب، إلى جانب تمكين المعارضة من حقوقها الدستورية، وواعداً بفتح حوار بين مكونات الشعب والوصول بالجزائر إلى دولة عصرية، لتكون لؤلؤة أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، على حد قوله.

الجاليات تبدأ الاقتراع لخمسة أيام

شرع الجزائريون في الخارج أمس في الإدلاء بأصواتهم في انتخابات الرئاسة المقرر اجراؤها الخميس المقبل. وتستمر عملية التصويت خمسة أيام حيث خصصت الجهات المسؤولة 398 مكتباً لاستقبال مليون وتسعة آلاف ناخب، منهم 815702 في فرنسا وحدها و11884 في المغرب وأكثر من 6000 في الإمارات العربية المتحدة و2700 في مصر وغزة ورفح و666 في الأردن.

وقال القنصل العام الجزائري في دبي عبدالكريم بلواسع في تصريحات لـ«البيان» إن عدد المسجلين ضمن القوائم الانتخابية في هذا الاستحقاق تجاوز 6000 منهم 3507 في دبي والإمارات الشمالية ونحو 2500 في عاصمة الدولة أبوظبي، مشيراً إلى أن القنصلية فتحت أبوابها منذ يوم أمس للناخبين والناخبات من الساعة الثامنة صباحاً إلى السابعة مساءً على أن تمدد عملية الاقتراع ساعتين يوم الخميس وتبدأ عملية الفرز اعتباراً من التاسعة مساءً في اليوم ذاته.

وأوضح بلواسع أنه تم فتح مكتب تصويت واحد في حين تشرف على عملية التصويت لجنة انتخابية، واصفاً الإقبال في اليوم الأول بالمتوسط غير أنه أعرب عن أمله في تزايد أعداد المصوتين خلال الأيام المقبلة.

ولفت قنصل الجزائر العام إلى غياب ممثلي المترشحين فيما عدا ممثل المرشح بن فليس عازياً ذلك إلى سياسة كل مرشح في توزيعه ممثليه على مكاتب الاقتراع في الخارج، داعياً الجزائريين المقيمين في الدولة إلى التصويت على الاستحقاق التاريخي قبل اليوم الأخير.

وتنص المادة 30 من قانون الانتخابات على أنه «يمكن للوزير المكلف بالداخلية والوزير المكلف بالشؤون الخارجية بقرار وزاري مشترك، تقديم تاريخ افتتاح الاقتراع بمئة وعشرين ساعة قبل اليوم المحدد لذلك، على أن يتم تحديد كيفيات تطبيق هذه المادة عن طريق التنظيم».