إن النظرة للحراك الشعبي الاردني قد يصدق عليها الرؤية بأن المملكة ليست ضمن قائمة دول الربيع العربي، وأن ادراجها ضمن هذه الدول انما هو اقحام لها فيما ليست منه. لكن مع ذلك فإن هذا لا يعني ان الاردنيين لم يطالبوا بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية في مملكتهم.
الحراك في الاردن كان سابقا للربيع العربي بفترة طويلة، ورغم محاولته الاستفادة منه ومن مناخاته الا ان الدولة استطاعت ان تحكم سيطرتها على ايقاعه بما ساهم في ابعاد شبح دخول الاردن في ربيع العرب الدامي.
قبل أن يقدح محمد بو عزيزي ناره في جسده، خاض الحراك الاردني تجربة محاولة التغيير، وما إن استقبل العرب ربيعهم حاول السياسيون الاستفادة من هذه النار لكنهم فشلوا.
سخونة وبرود
على حد تعبير الكثير من المراقبين فان النمط الذي تشكل فيه الحراك الشعبي الاردني قبل قرار محمد بو عزيزي إحراق نفسه، استمر ولم يتغير، وكان على الدوام يسخن مرة ويبرد مرات، لا هو يزداد ليصبح ربيعا ولا هو ينقص ليتلاشى.
وينظر النائب السابق الدكتور ممدوح العبادي إلى محفزات الحراك الشعبي بالقول: إن «الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الكثير من المواطنين كانت سببا رئيسا في ولادة حراك أردني خاص، لم يتطور الى فكرة ربيع عربي لكنه ايضا لم يتلاش».
إن أكثر ما فعله الربيع العربي في العقل الشعبي الاردني، بحسب العبادي، انه جعل الحراكيين اكثر جرأة في تناول مطالبهم، بعد أن فرض الربيع خارج الحدود الاردنية عقلية سياسية شعبية فهمت ان من حقها التعبير عن آرائها بشكل أكثر اتساعا وحرية. ولا يرى العبادي فارقاً كبيراً في النتائج بين ما يريده الاردنيون من ربيعهم وما يريده العرب.
إلا إذا كانت الغاية في التعريف هي الشكل. وهنا يقول اننا «نجحنا في خفض تكاليف المطالبات بالتغيير السياسي»، مستشهدا بما يجري في مصر وسوريا وليبيا واليمن. ويضيف: «ما جرى في السنوات الاخيرة ان جماعة شعبية طالبت بتغيير الواقع واستطاع بعضها تغيير رأس النظام لكنها لم تغير الواقع الذي يحتاج الى سنوات طويلة».
ويرى السياسي الاردني المخضرم أن حركة التغير السياسي في البلاد العربية جميع اشكالها «ربيع». ويستطرد: «ما حدث في المغرب كان ربيعا ايضا من دون ان يتغير النظام. وفي الاردن استطعنا تغيير ثلث الدستور. اليس هذا تغييرا؟».
مصاعب الحراك
من جهته، يقف اليساري الاردني أمين عام حزب الوحدة الديمقراطي الدكتور سعيد ذياب، سياسيا، في مربع مختلف عن المربع الذي يقف فيه العبادي. لكنه يقول إن «الاجراءات والقرارات المتلاحقة، التي تتخذها الحكومة في سياق التزامها بتنفيذ النهج الاقتصادي التبعي المملى عليها من قبل المؤسسات المالية والنقدية والتجارية الدولية دفعت الحراكيين الى الشعور بأن الحكومة لا تعبأ بما يريدون، بل وتفعل على النقيض منه».
ويضيف إن الحكومة «لم تكن يوما آبهة بتحذيرات النخب الاردنية والشخصيات الوطنية وخبراء الاقتصاد والاجتماع السياسي ورجال الصحافة والاعلام».
ويعتقد امين عام حزب الوحدة ان الحراك الاردني «عانى من كثير من المصاعب لم يلتف معها طبقات المعارضة الاردنية حوله»، داعيا الى «الالتفاف حول ائتلاف سياسي شعبي قادر على استنهاض الحراك الشعبي».
ويضيف: «كان الحراك وما زال أقل ضغطا وهو ما لم يسمح بتشكيل أجواء تجد معها الحكومات مضطرة لاحداث التغيير». ويصف د. ذياب آداء الحكومة بأنه «معاد لتطلعات الجماهير، متنصلة من واجباتها الدستورية بتأمين حياة حرة كريمة للمواطن، وفي الاذعان لإملاءات صندوق النقد الدولي».
مشيرا الى ان «الحلول التي مارستها الحكومات زادت من المشكلات وعقدتها بدلا من حلها، وهو ما يجعل المواطنين ومنهم الحراكيين، يشعرون بالاحباط». ما هو مؤكد هو ان الاجواء العربية التي ساهمت في تشجيع الحراكيين الاردنيين على مزيد من الحركة في الشارع للمطالبة بالاصلاحات هي ذات الاجواء التي ساهمت في خفوت الشارع بعد ان رأى الناس ان مخاطر جمة تترتب على مطالبتهم بالاصلاح. وهذا ما يعني ان الحراك الاردني تأثر بالربيع ايجابا حينا وسلبا احيانا أخرى.
