الصراع الذي تدور رحاه منذ أكثر من ثلاثة أعوام في سوريا لا يلوح في أفقه أي حل، في ظل عدم حسم أي من طرفي النزاع الوضع على الأرض لصالحه، ومع تصاعد حصيلة الضحايا إلى ما يزيد على 150 ألفاً وتشرد الملايين في الدول المجاورة والبعيدة كلاجئين ونازحين، وتدمير شبه تام للبنية التحتية وترك غالبية مدن البلاد للأشباح، بات الأمر يتطلّب البحث عن حل سلمي للأزمة التي دخلت عامها الرابع من دون أي بوادر للإطاحة بالنظام أو القضاء على المعارضة.

إلى الآن لم تستطع المعارضة حسم المعركة على الأرض أو حتى الحفاظ على المناطق التي سيطرت عليها، كما أن النظام، رغم تقدّمه على الأرض، إلا أنه لم يستطع حسم المعركة أيضاً لصالحه أو استعادة المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، كما أنه لن يستطيع اجتثاثها وإنهاءها.

وتشير التقارير إلى أن سوريا ستواجه 10 أعوام أخرى من الحرب الطاحنة، فيما يوطد النظام وجوده بعد أن أمّن الرئيس السوري بشار الأسد بقاءه بدعم الحلفاء مع استعداده لخوض الانتخابات الرئاسية في يوليو المقبل. ويحذّر محللون استراتيجيون من انزلاق البلاد إلى حرب أهلية تستمر سنوات وتشبه تلك التي شهدتها لبنان في ثمانينات القرن الماضي.

وبعد وصول أعداد الضحايا إلى أكثر من 150 ألف قتيل مع أسوأ أزمة إنسانية يشهدها التاريخ بتشرّد ملايين السوريين، آن الأوان لوقف حمام الدم السوري والبحث عن حل لهذه المأساة.

تشرذم المعارضة

وما يعزز سيطرة النظام وتقدّمه على الأرض هو تشرذم المعارضة وانقسامها، وأخيراً، الاقتتال الداخلي الدائر فيما بينها وخاصة الجناح الجهادي المتشدد والمتمثل في الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وجبهة النصرة ومثيلاتها من جهة مع الجناح العلماني الذي يمثّله الجيش الحر من الجهة الأخرى، هذا فضلاً عن القتال الدائر داخل الجناح الجهادي نفسه وبرز على شكل صراع مسلح عنيف وتصفيات جسدية بين «داعش» وجبهة النصرة تحديداً. يضاف إلى ذلك الفجوة الكبيرة داخل القيادة السياسية للمعارضة في الداخل والخارج، وعدم اعتراف الكثير من المسلحين بالقيادة السياسية وبالخصوص الائتلاف الوطني السوري والحكومة المنبثقة عنه.

المعادلة الإقليمية والدولية

ومن المعلوم أن الصراع السوري لا يمكن فصله عن المعادلة الإقليمية والدولية مع سعي حلفاء الطرفين إلى تحقيق مكاسب خاصة بعيدة عن المصلحة السورية، لذلك نرى أن الدعم الذي يلقاه النظام من روسيا وإيران وحزب الله اللبناني على وجه التحديد يقابله دعم سياسي وعسكري للمعارضة من قبل الولايات المتحدة والغرب وبعض الدول الإقليمية، بغض النظر عن الدمار الذي أصاب البلاد وأعادها مئات السنين إلى الوراء.

الحوار هو الحل

بناء على هذه المعطيات، بات واضحاً أن أي حل يجانب الحوار والحل السلمي لن يكون سوى إطالة لعمر النزاع وإزهاقاً لمزيد من الأرواح وإمعاناً في تفتيت البلاد وتدميرها. لذلك فإن المصلحة السورية تتطلب إطلاق حوار جدي حقيقي برعاية دولية يفضي إلى اتفاق السوريين على مستقبلهم السياسي بعيداً عن الضغوط والإملاءات والتدخلات الخارجية، لأن السوريين هم الأقدر على تحديد ما يريدونه لمستقبل بلدهم ورفعته وتقدمه. وعليهم أن يدركوا أن الدول ليست جمعيات خيرية وأن الديمقراطية التي تبنى على الجماجم أبداً لن تغادر خانة الدكتاتورية المغلفة بالخداع.

شرارة الأزمة

 

بدأت شرارة الأزمة السورية من مدينة درعا، حيث قام الأمن باعتقال خمسة عشر طالباً إثر كتابتهم شعارات تنادي بالحرية وتطالب بإسقاط النظام على جدار مدرستهم بتاريخ 26 فبراير 2011، متأثرين بموجة ما يسمى «الربيع العربي».

في خضم ذلك كانت هناك دعوة للتظاهر على «فيسبوك» في صفحة لم يكن أحد يعرف من يقف وراءها، استجاب لها مجموعة من الناشطين يوم الثلاثاء 15 مارس العام 2011، وهذه التظاهرة ضمت شخصيات من مناطق مختلفة مثل حمص ودرعا ودمشق.

كانت الانطلاقة الحقيقية لما يسمى «الثورة السورية» في 18 مارس تحت شعار «جمعة الكرامة»، بعد أن خرجت التظاهرات في مدن درعا ودمشق وحمص وبانياس، وسقط إثرها أربعة قتلى على يد الأمن في درعا، ثم انتشرت الاحتجاجات كالنار في الهشيم إلى باقي مناطق البلاد.