في إفادته أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، اعترف وزير الخارجية جون كيري بأن إسرائيل تتحمّل الشق الأكبر من المسؤولية عن وصول المفاوضات إلى الطريق المسدود. جرأة ملحوظة ولو منقوصة. لكنه سرعان ما أفقدها أهميتها عندما هرع إلى القول إن «كلا الجانبين اقدم على خطوات سلبية». استدراك كان لا بدّ منه ليعطي الانطباع بأنه متوازن في حكمه. لاسيما وأنه في حضرة مجموعة من نواطير إسرائيل في الكونغرس، الذين لا بدّ وأن يكون معظمهم قد امتعض من اتهامه ولو الخجول للدولة العبرية. مع أنه في حقيقة الأمر لم يفعل سوى أنه رمى جزءا من التهمة على إسرائيل لكنه طالب بمحاسبة الفلسطينيين عليها، من خلال مطالبتهم بالعودة إلى المفاوضات. يعني بالعودة إلى «الدويخة» نفسها المستمرة منذ نيف وعشرين سنة. هي تتحمل المسؤولية وهم يدفعون الثمن، بمنحها المزيد من الوقت لتواصل قضم الأرض بحيث لا يبقى شيء للتفاوض حوله.
خطة بديلة
وبموازاة إفادة الوزير وبالتناغم معها، بدأ الترويج لما يسمى «الخطة ب» البديلة، باعتبار أن مشروع التسوية الذي سعى إليه كيري تلاشى. أو في أحسن أحواله بات في حكم المؤجل «إلى يوم آخر»! ويقوم هذا البديل في الأساس على «فكرة التعايش مع الأمر الواقع». بموجبه ينخفض السقف من الدولتين إلى توفير «العيش بسلام» للشعبين.
ومن الآن وحتى نهاية الفترة في 29 الجاري، يواصل الوسيط الأميركي مارتن أنديك، استغلال حاجة الطرفين للحوار. إسرائيل تفعل لتحاشي المزيد من العزلة. والسلطة تفاوض حرصاً على عدم قطع الخيط مع واشنطن، ناهيك بقطع المساعدات.
طعنة إسرائيلية
على قاعدة هذه المعادلة، يتواصل جمع الطرفين في لقاءات يزعمون أنها تجري في محاولة «لإنقاذ» المفاوضات من الانهيار. والكل يدرك بأنها شبعت انهياراً. إسرائيل وظفت قضية الأسرى، المفترض أن تكون منتهية، لنسف المفاوضات عشية نهاية الفترة المحددة لها. والأميركيون يعرفون ذلك تماماً. لكنهم كمن في فمه ماء. لا يقوى على الكلام. بالأحرى لا يريد الكلام. ومنهم الوزير كيري الذي لا يخفي ضيقه كما المح إليه امام اللجنة. بل يتردد أنه منزعج من الطعنة الإسرائيلية لمشروعه.
نزاع محلي!
أما جوقة إسرائيل فقد سارعت إلى تسويغ الانسداد وتسويقه، من خلال تفسيرات تخدم الالتفاف الإسرائيلي على المفاوضات لدفنها. فالعملية من الأساس كانت محكومة بمثل هذه النهاية لأن «ظروفها لم تنضج بعد». كما أنه كان من غير الميسور «تسويق أي اتفاق» إلى الجمهور، فضلاً عن أن حكومة بنيامين نتانياهو كانت «مهددة بالسقوط» لو مضى وأعطى موافقته على مشروع الاتفاق المطروح.
وإذ انتهت الأمور إلى هذه النقطة، فثمة من هذا الفريق من يذهب إلى أبعد من ذلك، انطلاقاً من انه آن الأوان لترك هذا الملف «الذي تحوّل إلى نزاع محلي» لا تأثير له في المنطقة، كما يقول ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الواسع التأثير على صناعة القرار. في رأيه مع آخرين من صفّه، أن من الأجدى بل الأولى الالتفات إلى قضايا أهم، من أوكرانيا إلى الصين.
وفعلاً تردّد مثل هذا الكلام على لسان كيري في إفادته امام اللجنة.
وجه آخر
المحاسبة هي الوجه الآخر للمسؤولية. بدونها لا يستقيم لهذه الأخيرة معنى. تصبح بلا طعم ولا لون. تقرّ واشنطن بمسؤولية إسرائيل، لكنها لا تنبث ببنت شفة عن محاسبتها. وكأنها فوق المساءلة. محميّة ضدها بفيتو أبدي. وطالما الأمر كذلك، فلا داعي للتشدق بفضائل المفاوضات وبأهمية التوصّل من خلالها إلى قرارات واتفاقات ملزمة.
تصريح كيري
كان من اللافت اتهام وزير الخارجية الاميركي جون كيري اسرائيل الثلاثاء بعرقلة عملية السلام مع الفلسطينيين. ورغم انه لم يوفر الفلسطينيين من انتقاداته، صوب كيري سهامه نحو الحليف الاسرائيلي معتبرا ان اعلان بناء اكثر من 700 وحدة استيطانية في القدس الشرقية المحتلة الاسبوع الفائت ورفض الافراج عن المعتقلين الفلسطينيين اوقعا عملية السلام في مأزق. أ.ف.ب