لا يزال قرار بريطانيا الأخير المتعلق بفتح تحقيق بشأن أنشطة جماعة الإخوان على أراضيها يُشكّل صدمة لهذا التنظيم إذ وضع الحكومة البريطانية على طريق مواجهة ربما تكون غير مسبوقة مع حركة إسلامية خاصة في انتظار يوليو المقبل وهو الموعد الذي يرتقب فيه صدور التقرير الخاص بالمراجعة الحكومية البريطانية لنشاط الجماعة التي أبدى عناصرها تخوفاً من أن تلجأ السلطات البريطانية إلى تطبيق قانون الإرهاب الذي صدر العام 2003، وهو القانون الذي يبيح إمكانية محاكمة أي فرد يقيم في المملكة المتحدة إذا ما ارتكب «عملاً إرهابياً» خارج الأراضي البريطانية.

قد لا يتذكر الكثيرون أن آخر مقابلة صحافية نُشرت للرئيس المصري المعزول محمد مرسي وهو لا يزال في منصبه، ظهرت على صفحات «الغارديان» البريطانية في توقيت لافت للغاية؛ 30 يونيو الماضي أي عندما كان ملايين المصريين في شوارع مختلف مدن وقرى وطنهم يهتفون مُطالبين مرسي بالرحيل.

في ذلك الوقت، كان نشر المقابلة يستهدف على ما يبدو التمهيد لزيارة إلى لندن كان مقررا أن يقوم بها مرسي بعد 10 أيام فحسب، وهي الزيارة التي لم تتم بطبيعة الحال بعد أن عُزل قبل الموعد المحدد لها بأسبوع. ولكن منذ ذلك الحين، باتت مدينة الضباب ملاذاً بالنسبة لقيادات أخرى في جماعة الإخوان، الموصومة من قبل دول عربية عدة بالإرهاب، وذلك في محاولة على الأرجح لتكرار السيناريو الذي جرى في تسعينيات القرن الماضي، عندما احتمت قيادات إسلامية متشددة بالعاصمة البريطانية، إلى حد دفع البعض لوصفها حينذاك بـ«لندنستان».

حالة تخبط

وقبل أسابيع، رجح خبراء في شؤون الجماعة أن يكون الإخوان بصدد اتخاذ لندن عاصمة لتنظيمهم الدولي مبهم الملامح، في ظل حالة التخبط والشتات التي يعانون منها مصرياً وعربياً، لاسيما بعدما فقدوا ملاذات طالما شكلت حاضنة لهم في بعض الدول الكبرى بالشرق الأوسط.

لكن قرار رئيس الوزراء البريطاني دفيد كاميرون أخيراً فتح تحقيق بشأن أنشطة الجماعة في بلاده بدا انتكاسة لأي جهود من هذا القبيل، ووضع الحكومة البريطانية على طريق مواجهة ربما تكون غير مسبوقة مع حركة إسلامية، يقول قياديوها إنهم عاشوا في المملكة المتحدة على مدى نحو أربعة عقود دون مضايقات. وبينما حاولت قيادات في الجماعة ومحللون مقربون من تيار الإسلام السياسي في لندن أن يرجعوا قرار كاميرون إلى «ضغوط» تعرضت لها حكومته من جانب قوى عربية مؤثرة، ذكرت مصادر مطلعة في العاصمة البريطانية أن «الأمر غير مرتبط بأي توازنات» تتعلق بعلاقة البلاد الخارجية.

ونقلت المصادر عن مستشارين لرئيس الوزراء البريطاني قولهم إن «هذه قضية بريطانية صرفة تتعلق بأمن بريطانيا ومصالحها أولاً وأخيراً»، وذلك في نفي واضح لأن يكون التحقيق مدفوعاً بأي ضغوط عربية.

صدمة حقيقية

جاء ذلك في وقت كشف فيه مراقبون عن أن «صدمة حقيقية» سادت مقر الجماعة في 113 كريكل وود شمال شرقي لندن، بعد الإعلان عن فتح التحقيق الذي سيتناول حجم وجود الإخوان في بريطانيا والأفكار التي يتبنونها، والعلاقات التي تربط بينهم وبين جماعات أخرى يُتهم بعضها بالإرهاب والتطرف.

وذكرت مصادر لـ«البيان» أن المداولات التي سبقت صدور بيان جماعة الإخوان في لندن ردا على الخطوة البريطانية الأخيرة استغرقت «عدة ساعات»، وأن بحث سبل فتح قناة اتصال مع السلطات، شكل الأولوية القصوى للجماعة عقب الإعلان عن فتح التحقيق الذي سيشارك فيه جهازا الاستخبارات الداخلية (إم.آي5) والخارجية (إم.آي6).

وكان من اللافت في بيان «إخوان بريطانيا» إعرابه عن قلق الجماعة إزاء إسناد المسؤولية عن التحقيق للسفير البريطاني في السعودية جون جينكنز، وهو تخوف عزاه بعض المحللين إلى طبيعة العلاقة المضطربة حالياً بين الإخوان والرياض، والتي بلغت حد إعلان السلطات السعودية الجماعة تنظيماً إرهابياً قبل أسابيع.

تحذيرات ضمنية

تحليل ردود فعل الجماعة وقياداتها على إعلان فتح التحقيق، أوحى بوجود تجاذب في صفوفها بين تيار متشدد وآخر أقل تشدداً، فبينما لوح «الإخوان» في البداية بأنهم سيلجؤون إلى القضاء البريطاني لمواجهة «أي محاولة» للحد من نشاطهم أو حظره، نُقل عن أحد قياديي الجماعة البارزين في لندن المدعو إبراهيم منير تحذيره من أن أي حظر للإخوان قد يزيد من خطر تعرض المملكة المتحدة لـ«هجمات إرهابية».

منير، الذي يصفه البعض بمسؤول التنظيم الدولي للإخوان في الغرب، عاد وخفف من هذه التصريحات لاحقا، واعتبر أنها «انتزعت من سياقها»، وحاول التقليل من شأن الأزمة الحالية مع السلطات البريطانية، مؤكداً أنه ليس لدى جماعته «أي معلومات أو إشارات على توجه لندن لحظر الإخوان». ولكن مراقبين يرون أنه إذا ما كانت الحكومة البريطانية جادة بالفعل في مسعاها مراجعة نشاط الإخوان، فمن المستبعد أن تؤدي تصريحات مثل هذه إلى تقليل حماسها في هذا الشأن، لاسيما وأن حكومة كاميرون باتت تشعر بخطر متزايد حيال مؤشرات تفيد بتزايد نزعة التشدد لدى مسلمي بريطانيا، وهو ما بدا في بعض الحوادث التي وقع أخطرها العام الماضي، عندما أقدم شابان مسلمان من أصل افريقي على قتل جندي بريطاني في حي ووليتش اللندني. ويخشى أنصار « الإخوان» في بريطانيا أن يصل الأمر بالحكومة هناك إلى حد تطبيق قانون الإرهاب الذي صدر العام 2003 بحق بعض المنتمين للجماعة، وهو القانون الذي يبيح إمكانية محاكمة أي فرد يقيم في المملكة المتحدة إذا ما ارتكب «عملاً إرهابياً» خارج الأراضي البريطانية، أو شارك في التآمر أو التحريض على ارتكاب مثل هذا العمل. وفي كل الأحوال، فيبدو أنه سيتعين على كل الأطراف المهتمة بمصير الإخوان في بريطانيا الانتظار حتى يوليو المقبل، وهو الموعد الذي يرتقب فيه صدور التقرير الخاص بالمراجعة الحكومية البريطانية لنشاط الجماعة، وحتى ذلك الوقت ستظل الساحة نهبا للكثير من التوقعات والتحذيرات والتسريبات، وكذلك الشائعات على أرجح الأحوال.

تعديلات على الهجرة

ذكر مقربون من الدوائر الحكومية البريطانية، أن مراجعة أنشطة جماعة الإخوان في البلاد تتزامن مع مساعٍ تقوم بها وزيرة الداخلية تيريزا ماي لإدخال تعديلات على القوانين الخاصة بالهجرة، لكيلا تواجه السلطات في المستقبل قضايا شائكة تتعلق بعدم قدرتها على ترحيل جهاديين يقيمون على أراضيها.

تصريحات متسرعة

قال ناطق باسم الخارجية البريطانية إن تصريحات القيادي في جماعة الإخوان إبراهيم منير بشأن وجود عواقب خطيرة لتصنيف بريطانيا الجماعة «منظمة إرهابية» هي «تسرع في إصدار الأحكام». وأوضح الناطق في اتصال هاتفي مع موقع «سكاي نيوزعربية» أن بريطانيا «لم تعلن بأي شكل من الأشكال نيتها تصنيف الجماعة منظمة إرهابية» لكن الناطق أشار إلى أنه بناء على هذه المعلومات ستحدد الحكومة البريطانية سياستها تجاه الجماعة، مؤكدا أنه لا يمكن في الوقت الحالي القفز على نتائج التحقيق والتقييم الذي طلبه كاميرون مؤكدا، أن تصريحات منير استبقت نتائج التحقيقات. وكانت تقارير إعلامية نقلت عن منير قوله «لو فرض الحظر، سيجعل ذلك كثيرا من الناس في المجتمعات الإسلامية يعتقدون أن قيم الإخوان السلمية لم تعد مفيدة، وأن الإخوان صنفوا الآن جماعة إرهابية، وهو ما يفتح الباب لكل الاحتمالات».لندن-الوكالات

«أنصار بيت المقدس» على قائمة الإرهاب البريطانية

أدرجت الحكومة البريطانية ثلاث حركات متطرفة، من بينها أنصار بيت المقدس، على قائمة المنظمات المحظورة بوصفها منظمات إرهابية. وحظي القرار بدعم حزب العمال البريطاني، فيما وافق أعضاء مجلس العموم البريطاني دون تصويت على اقتراح الحكومة، بإضافة «أنصار بيت المقدس»، و«المرابطون»، و«أنصار الشريعة» إلى الجماعات المحظورة بموجب قانون الإرهاب للعام 2000.

ويأتي ذلك في سياق الضربات القوية التي توجهها بريطانيا إلى التنظيمات الإرهابية، وسط موجة تفاؤل من قبل القوى السياسية والثورية بالقاهرة، وتوقعات بأن تعكس تلك القرارات رأياً عاماً دولياً مناهضاً للفكر الإخواني والجماعات المرتبطة به.

وجماعة أنصار بيت المقدس، هي جماعة إرهابية، كانت أعلنت مسؤوليتها عن عددٍ من الجرائم الإرهابية التي وقعت في مصر خلال الفترة الأخيرة، من بينها محاولة اغتيال وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، والهجوم على مديرية أمن الغربية، وكذلك حادث تفجيرات مديرية أمن القاهرة، وعدد من الوقائع الأخرى.