كان لاجتماع الرئيس الأميركي باراك أوباما برئيس الحكومة التونسية مهدي جمعة أمس في البيت الأبيض دلالات عدة، يفسرها المراقبون على أنها تمثّل رؤية أميركية جديدة في التعامل مع المشهد التونسي المضطرب منذ أكثر من ثلاثة أعوام، والخاضع لتحديات كبرى لم تعرفها تونس منذ استقلالها.

وما يلفت الانتباه أن أوباما لم يستقبل أيا من قيادات «الترويكا» التونسية، التي تخلت عن الحكومة أواخر يناير الماضي بعد احتجاجات شعبية وضغوط داخلية وخارجية كان للولايات المتحدة دور مهم فيها. ولم يحظ الرئيس التونسي المنصف المرزوقي طيلة العامين الماضيين ولا رئيسا الحكومتين السابقتين حمادي الجبالي وعلي العريض (وهما قياديان في حركة النهضة) باستقبال في البيت الأبيض. في حين أن زعيم حركة نداء تونس الباجي قايد السبسي زار واشنطن، واجتمع بأوباما في أكتوبر 2011 قبل أسبوعين فقط من انتخاب المجلس الوطني التأسيسي.

رفض المشروع الأيديولوجي

وجاء استقبال جمعة، الذي لا ينتمي الى أي حزب سياسي، في البيت الأبيض ليؤكد أن واشنطن تدعم القوى المدنية والديمقراطية غير المتحزبة في تونس.

كما ان واشنطن تفضل التعامل مع حكومات غير عقائدية مثل حكومة «الترويكا» التي كانت خاضعة لحركة النهضة، وما تمثّله كحركة دينية منحدرة من صلب التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

ويرى المراقبون أن واشنطن تهدف الى حكم في تونس تكون الكلمة الأبرز فيه لقوى مدنية وديمقراطية غير مؤدلجة، تضع الشأن الاقتصادي على رأس أولوياتها، وهو ما يميّز شخصية مهدي جمعة، الذي وصفه السفير الأميركي لدى تونس جاكوب والس أنه يمثّل رجل الأعمال الناجح.

ولا تنسى واشنطن أن سفارتها ومدرستها في تونس تعرضتا الى هجوم كبير من قوى إسلامية متشددة خلال العام الأول لحكم «الترويكا»، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ استقلال تونس. كما أن الحكومة السابقة لم تتخذ أي إجراءات رادعة لمهاجمي السفارة في 14 سبتمبر 2012.

النموذج المفضل

ويبقى نموذج الحكم التوافقي وغير المؤدلج، والمهتم بالشأن الداخلي والضامن للحريات العامة، هو الأفضل بالنسبة للإدارة الأميركية في تونس. كما ترى واشنطن أن المرحلة القادمة يمكن أن تكون مرحلة تحالف بين القوى الليبيرالية وبين الجناح المعتدل من حركة النهضة، وأن مهدي جمعة يمكن أن يشكل حكومة ما بعد الانتخابات نظرا لعدم تحزّبه، وكذلك لانفتاحه على الغرب ودوره الاقتصادي، ويبدو أن هذه الإشارة وصلت حركة النهضة ما دفع بها الى التفكير في الترشح لمنصب رئيس الدولة من خلال أمينها العام المستقيل حمادي الجبالي، الذي يسعى الى أن يكون جسر تواصل بين الإسلاميين والليبيراليين من جهة وبين النظام السابق والنظام الحالي من جهة أخرى.

ضغوط على «النهضة»

تشير مصادر دبلوماسية الى أن واشنطن كان لها دور كبير في الضغط على قيادة حركة النهضة للقبول بالتوافق على مضامين الدستور والتخلي عن قانون العزل السياسي، والتنازل عن الحكم والتحاور مع حركة نداء تونس، وتصنيف تنظيم أنصار الشريعة كتنظيم إرهابي، وكذلك في فرض مهدي جمعة مرشحا لتشكيل حكومة الكفاءات المستقلة، وأن حركة النهضة مثّلت أعلى درجات البراغماتية في التنازل أمام تلك الضغوط، خصوصا بعد الإطاحة بحكم الإخوان في مصر، وتأكدها من قوة معارضيها في الداخل.