لم يستطع الشيوعيون الاردنيون إخفاء أزمة الثقة فيما بينهم تلك التي برزت تدريجيا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث برزت شقوق الخلاف فيما بينهم في اجتماع المؤتمر التأسيسي لاتحاد الشيوعيين الأردنيين الذي كان يراد له أن يكون تأسيسا لمشروع برنامج سياسي ونظري ليس بعيدا عن الموجة العامة التي طالت أوساطا شيوعية عربية وغير عربية في ما كان يعرف «العالم الثالث».
واستنهض الشيوعيون هيكلا مؤسسيا لهم وفي الخلفية محاولات عودة روسيا الاتحادية الى النهوض بدورها الذي كان لها ايام الاتحاد السوفيتي، على الرغم من دفن موسكو لشيوعيتها، الا ان مناكفتها الاخيرة للولايات المتحدة الامريكية وصمود النظام السوري دون السقوط شجع الشيوعيين الاردنيين على محاولة رسم اطار مؤسسي لهم رغم ما يعانونه من اختلافات عميقة فيما بين تياراتهم في المملكة.
واحتفل الشيوعيون الأردنيون في مجمع النقابات المهنية بعمّان بالبدء بالخطوة الأولى لتأسيس اطار حاضن للشيوعيين الأردنيين. حيث عقد الاتحاد أخيرا مؤتمره التأسيسي في النقابات الذي ناقش خلاله مشروع الوثيقة السياسية، واقرار اللائحة التنظيمية، وانتخاب اعضاء المجلس المركزي للاتحاد الذي يتكون من 40 عضوا. لكن الاجتماع الذي أريد له أن يكون توحيديا للشيوعيين الاردنيين أظهر خلافات واسعة بين أعضائه انسحب على إثرها تجمع الشيوعيين وعدد من المستقلين (أحد المكونات الثلاثة الرئيسية للاتحاد). وفي بيان انسحابه اتهم التجمع رئاسة المؤتمر بفرض أجندتها عبر الاصرار على التصويت على اقتراحات بعينها، وإهمال أخرى.
وينادي مشروع الورقة السياسيَّة التي اثير حولها الخلاف لتأسيس اتِّحاد للشيوعيين الأردنيين بأن «يكون إطارا سياسيا ماركسيا طوعيا مرنا يسترشد بأفكار الاشتراكيَّة العلميَّة الخلَّاقة التي تهدف إلى تحرير الإنسان من ربقة الاستغلال والاضطهاد والفقر والجهل، ويعبِّر عن مصالح الطبقة العاملة وجميع الكادحين بسواعدهم وأدمغتهم ويدافع عنها ويسعى لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم».
واعتبر المشروع الاتحاد أداة تنظيميَّة سياسيَّة جديدة ومختلفة انبثقتْ مِن واقع تعدّد المرجعيّات التنظيميّة للشيوعيين الأردنيين، ووجود العديد منهم خارج الأطر الحزبيَّة الشيوعيَّة. ونبه إلى انه «لا يسعى إلى مزاحمة التشكيلات الشيوعيَّة القائمة، بل يتطلَّع لأنْ يكون إطاراً مرناً واسعاً للشيوعيين كافَّة؛ ينسِّق جهودهم ويوحِّد عملهم». وهو في الوقت نفسه، تعبيرٌ عن توق الشيوعيين الأردنيين لممارسة أوسعِ تأثيرٍ ممكن في الحياة السياسيَّة، والإسهام بأكبرِ قسطٍ ممكن في نضال الحركة الوطنيَّة الأردنيَّة.
ويؤكد مراقبون على أنّه ينبغي للشيوعيين أن يتميزوا بقاموس واضح من المصطلحات والمفاهيم والشعارات، ومن ذلك أولا وقبل كل شيء الحديث عن الاشتراكية بدل العدالة الاجتماعية.
وأضاف المحللون أنه من الغريب هنا أن أوساطا شيوعية عربية وغير عربية وهي تتحدث عن ضرورة تجاوز ماركسية القرن التاسع عشر، تعود كما الأوساط الليبرالية إلى أفكار جون لوك السابقة لماركس التي تقدم الحريات كسلة واحدة لا تنفصم: الحريات السياسية وحريات الأسواق الرأسمالية.. علما أنه إذا كانت الرأسمالية أيام لوك ظاهرة تقدمية ضد الاقطاع، فهي اليوم ظاهرة وحشية.