تحاول الحكومة الكويتية تمرير «الاتفاقية الأمنية» الخليجية عبر مجلس الأمة بحشد نواب يصوتون لصالحها، لكي تأخذ دورتها الدستورية الكاملة، حتى تستطيع العمل بمقتضاها، غير أن محاولات جس النبض باءت بالفشل، بعد الحملة المضادة التي شنها معارضوها في داخل وخارج البرلمان.
ومنذ اعتماد «الاتفاقية الأمنية» في أعمال الدورة الثالثة والثلاثين، التي عقدت في مملكة البحرين خلال الفترة من 24 - 25 ديسمبر 2012، أثارت تلك الاتفاقية الكثير من اللغط والتساؤلات والتكهنات، فما بين من يراها مجرد تعاون أمني تحتاجه الكويت، إلى من يتهمها بمعاداة الدستور وانقلاباً عليه، وأنها تخالف سيادة الكويت وتعتدي عليها، بينما يرى آخرون أن الاتفاقية لا تختلف عن اتفاقيات أخرى عقدتها الكويت مع دول عظمى مثل الولايات المتحدة، على الرغم مما فيها من تعارض مع الدستور الكويتي، وتدخّل في السّيادة الكويتية.
استئناس
وفي وقت تحاول الحكومة حشد أكبر عدد من النواب لتمرير «الاتفاقية»، أرجأت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الأمة البت فيها في الثالث من شهر مارس الماضي، وأجلت التصويت عليها لحين الاستئناس برأي الخبراء الدستوريين، إذ أكد مقرر اللجنة النائب حمدان العازمي أن موقفه من الاتفاقية الأمنية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي يتمثل برفضها وسيبقى موقف أعضاء اللجنة كل حسب قناعته الشخصية، لافتاً إلى أن اللجنة طلبت الاستماع لرأي الخبراء الدستوريين لتدعيم تقرير اللجنة عند التصويت عليها.
ورغم الحملة الإعلامية التي دشنتها الحكومة عبر متحدثيها ومؤيديها لإقناع من يعارض الاتفاقية بقبولها، لكسب أصوات شعبية ومن ثم نيابية لتمريرها داخل قبة البرلمان، إلا ان المحاولات لم تثمر عن فرصة سانحة لطرحها في الوقت الراهن.
مخالفة للدستور
وقال الخبير الدستوري وأستاذ القانون العام في كلية الحقوق في جامعة الكويت د. محمد الفيلي إن «بعض النصوص الواردة في الاتفاقية الأمنية الخليجية المعروضة على مجلس الأمة، تخالف نصوص الدستور الكويتي بشكل مباشر، وأن التوقيع عليها يعد مخالفة من الحكومة والمجلس للدستور».
وأوضح الفيلي ان «الاتفاقية تستند الى مفاهيم غامضة تجعل أمر نفاذها محاطاً بالمخاطر لما تتضمنه من بعض العبارات، كالاستقرار أو النظام العام»، لافتاً إلى أن «مثل هذا الغموض يقود إلى تقييد غير محدد يضر بالحقوق والحريات وهو الأمر الذي يتعارض مع الدستور».
وأضاف الخبير الدستوري القول: «بشأن ما تنص عليه المادة الأولى من الاتفاقية الأمنية الخليجية بأنها تطبق وفق التشريعات الوطنية لكل دولة، فهذا النص بحد ذاته يثير مشكلة في نفاذ الاتفاقية مع التشريعات الوطنية، وذلك بما لا يتعارض معها»، مضيفاً أن «السؤال هنا من له تقرير حالة التعارض من عدمها، هل هناك جهة في مجلس التعاون تتولى ذلك؟ أم ان كل دولة هي من تقرر عدم وجود حالة التعارض فتقوم بالتطبيق؟ ومثل هذا النص سيجعل كل دولة تطبق النصوص بما تراه وبما يتعارض مع تطبيق دولة أخرى له وهو الأمر الذي سيقودنا إلى مخاطرة أمام تنفيذ متباين للقواعد الخاصة بالاتفاقية من كل دولة على حدة وبالشكل الذي يختلف عن الدول الأخرى».
المادة 16
وعن المادة 16 بالاتفاقية التي تسمح بتسليم المتهم إلى دولة خليجية لمجرد اتهامه عندها، أكد الفيلي أن «مثل هذا النص يمثل إشكالية لدى الدستور الكويتي في ما يخص المواطنين الكويتيين أو اللاجئين السياسيين»، مشيراً إلى أن «النص يثير إشكالية أخرى وفق الدستور الكويتي لكونه يؤكد أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.. والسؤال كيف يتم تسليم متهم لدولة لمجرد اتهامه؟».
وأوضح الفيلي أن «النص يثير مشكلة أخرى فمثلاً عندما تطلب دولة تسليم شخص لمجرد اتهامه لأنه ارتكب فعلاً معاقباً وفق قوانينها في حين ان هذا الفعل ليس معاقباً عليه بالكويت، ويكون فعله قد ارتكبه بالكويت والدستور الكويتي ينص على أن لا جريمة ولا عقوبة الا بقانون، فكيف هنا يحاسب الشخص على قوانين دولة أخرى رغم أنه بالإقليم الكويتي؟».
مخاوف
وبين الخبير الدستوري د. محمد الفيلي أن عدم تعديل بنود الاتفاقية الأمنية الخليجية بشكل قانوني ومتطابق مع الدستور الكويتي، سيجعل منها بالمستقبل القريب اتفاقية قابلة للتفسيرات وتكون مدعاة للخلافات بين الدول، وليس من الحصافة الاقدام عليها لأن نصوصها مدعاة للخلافات بين الدول.
مواقف متباينة
لا يوجد إجماع في الكويت بشأن الاتفاقية الأمنية الخليجية حتى بين خبراء القانون أنفسهم، إذ لم تخل الساحة الكويتية من خبراء أكدوا سلامة نصوصها من أي تعارض مع دستور البلاد. ومن هؤلاء رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية سامي الفرج، الذي سبق أن أكّد أن مواد وبنود الاتفاقية تتماشى مع التشريعات الكويتية، وأن انتقادها سببه عدم الاختصاص واللبس في فهم بنودها، وإطلاق الأحكام عليها دون معرفة تفاصيلها. البيان