دخل لبنان منذ الثلاثاء الماضي مرحلة الاستحقاق الرئاسي دون أن يكون في الأفق ملامح لما سيكون عليه الوضع في قصر بعبدا (مقر الرئاسة) وفي لبنان عموماً في شهر مايو المقبل، لجهة هوية الرئيس الجديد، أو المشهد السياسي الذي استهلك لاعبوه ما يزيد على عشرة شهور من عمر لبنان للتوافق على توليفة حكومية.
ووفق المادة 73 من الدستور اللبناني سيمنح النواب اللبنانيون، المنوط بهم اختيار الرئيس العتيد نيابة عن الشعب، مهلة شهرين للاستقرار والتوافق على اسم مرشّح. ولكن السوابق التاريخية تفيد بأنّ هذا الإنجاز دونه العديد من عثرات، وربما المعارك. ولهذا لا يمكن الجزم بأن قصر بعبدا سيحظى بسيد جديد في 20 مايو.
الطامحون بالرئاسة كثر، وأول من أعلن وأفصح هو قائد حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، وهناك «المرشح الدائم» الجنرال ميشال عون.
وعلى كل الأحوال، عدم التفاؤل هو العنوان البارز والتوقعات سلبية نظراً للانقسام السياسي الداخلي الحاد والذي كان التشكيل الحكومي ثم البيان الوزاري من جولات الكر والفر التمهيدية لـ «موقعة الرئيس».. وهناك الاستقطاب الإقليمي والذي سيكون عاملاً أساسياً في رسم ملامح الأسابيع الثمانية المقبلة، فانتخابات الرئاسة في لبنان كانت على الدوام (باستثناء وحيد في انتخاب الرئيس الراحل سليمان فرنجية) تنجز وتطبخ وفق حسابات ومعادلات إقليمية ودولية.
مسار الاستحقاق الرئاسي غامض بجدارة، فلا توافق على أي اسم.
ففي العام 2008 كان هناك اسم محل إجماع، وفي العام 2004 كان هناك اسم محل انقسام.. ولكن اليوم المشهد غير مكتمل، والوضع يواجه شرخاً أمنياً بصبغة طائفية، وغالبية اللبنانيين يكادون يرون أنّ المرشّح الوحيد الأوفر حظّاً هو الفراغ.
ويرصد المراقبون أنّ البيان الوزاري استهلك من الطاقم الحكومي المؤلف من 24 وزيراً شهراً لتمرير بنوده، والسؤال كم سيحتاج الـ 87 نائباً (أي نسبة الثلثين من بين 128 نائباً يشكّلون المجلس النيابي في لبنان) من وقت للتوافق على اسم الرئيس؟
وبدا من مجريات الـ 100 ساعة الماضية أنّ الأكثر استشعاراً للقلق هو البطريرك الماروني بشارة الراعي، الذي ينتخب الرئيس من طائفته وبالتالي سيكون الصراع الرئاسي مهدّداً لوحدتها مدة شهرين في أحسن الأحوال، الذي طالب رئيس مجلس النواب نبيه بري بالدعوة إلى جلسة نيابية للنظر والتصويت على اسم من بين المرشّحين بدءاً من بعد غدٍ الاثنين لأنّ تجارب الماضي تنبئ بأنّ النصاب القانوني لجلسة التصويت لن يتحقّق من أول جلسة.. فإذا حضر اسم المرشّح غاب المصوّتون.. وشبح العام 2007 يلوح في الأفق، إذ دعا برّي حينها إلى 20 جلسة لم يتأمّن نصابها ما أدخل لبنان في عهدة الفراغ الرئاسي لستة شهور.
طوال عقود كان اللبنانيون يتساءلون عن «كلمة السر» التي تكشف هوية من سيحكمهم بعد سلسلة من التوافقات الإقليمية والدولية ولكن هذه الوصفة تبدو منعدمة الجدوى هذه المرة، إذ لا وجود لحدٍ أدنى من التوافق.