أينما وجدت الاضطرابات في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق تفتش عواصمها عن السبب فتجد الجواب فوراً في أروقة الكرملين.

منذ سقوط الدولة الشيوعية قبل أكثر من عقدين، لم يبلع الموسكوفيون (سكان موسكو) ونخبة مدينة سانت بطرسبيرغ حقيقة فقدانهم هيمنتهم على دول ما كانت في يومٍ من الأيام تنتمي لا دينياً ولا عرقياً ولا لغوياً إليهم.

بعد انهيار الستار الحديدي، غذت روسيا الحرب بين أرمينيا وأذربيجان في إقليم ناغورني كاراباخ، ولعبت على الوتر العرقي والديني بينهما. لا تزال القضية الحساسة تشكل بؤرة توتر في منطقة القوقاز قابلة للانفجار في أي لحظة، ولا تنفك موسكو تدعم يريفان اقتصادياً وعسكرياً، فيما يحيي الآذريون المسلمون ذكرى المذابح التي تعرضوا إليها على أيدي القوات الروسية.

الشيشان وجورجيا

وما أن وضع نزاع ناغورني كاراباخ أوزاره، حتى اندلعت حرب الشيشان بحجة مكافحة الانفصاليين المتطرفين. يعلم الجميع اليوم كيف طبق الروس بحرفية بالغة مبادئ الأرض المحروقة في غروزني ودفعوا بميليشيات مرتزقة تورطت بأعمال سلب واغتصاب وقتل عشوائية استهدفت ترهيب المدنيين. مسنة شيشانية مسلمة ظهرت في إحدى المرات أواخر التسعينات على شاشة محطة «بي.بي.سي» البريطانية لتقول لمراسلها الحربي: «لا ننام الليل من شدة القصف».

 تذكّر هذه الكلمات بالتكتيك الذي يختبره السوريون منذ ثلاثة أعوام واقعاً معاشاً بفعل ممارسات الطيران الحربي لنظام بشار الأسد.. حليف الكرملين المدلل في الشرق الأوسط. الأسد الذي تخشى موسكو رحيله «لكي لا يتسلم الحكم سنة متطرفون»، كما زلّ لسان رئيس دبلوماسيتها سيرغي لافروف ذات مرة.

أما في جورجيا الأرثوذكسية، فآزر الكرملين التطلعات الانفصالية لإقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، بحجة أنه يحمي العرقية الروسية فيهما بعد أن منحهم جوازات سفر روسية، وشن حرباً شعواء على تبليسي رأس حربتها مرتزقة منحوا الضوء الأخضر لحرق القرى الجورجية ونهب ما يحلوا لهم منها.

النموذج الصربي

ولا بأس من العودة قليلاً إلى التاريخ لاستحضار نموذج الصرب، أشقاء الروس الأرثوذكس كما يسموهم دوماً، في البوسنة المسلمة أيضاً. دأبت موسكو على دعم بلغراد، وأدت سياساتها إلى صب زيت الانقسامات العرقية والدينية والمذهبية على نار منطقة مشتعلة أصلاً مثل البلقان. حتى أن روسيا أرسلت قواتها إلى صربيا ودخلت منها إلى كوسوفو وطوقت مطار برشتينا في المواجهة المشهورة إياها صيف 1999.

 كان ذلك زمن الرئيس الراحل بوريس يلتسين، الذي وُصف بأنه متراخٍ تجاه الغرب، ما يدل على أن التأييد الروسي للأنظمة المارقة ليس سوى نهج عقائدي يستمد جذوره من الإرث اللا ديمقراطي للشعب الروسي نفسه الذي لم يعرف حكماً مؤسساتياً ديمقراطياً طيلة تاريخه، ولا علاقة للأمر بمن يحكم، سواء كان مهرجاً سكيراً مثل يلتسين أم جاسوس استخباراتٍ سابق كالرئيس الحالي فلاديمير بوتين.

في أوكرانيا

وفي أوكرانيا، تكرر موسكو نفس الاختبار مع الجورجيين عبر دعمها الأقلية الروسية في شبه جزيرة القرم بذريعة تعرضهم إلى الاضطهاد، من دون أن تثبت تلقي روسياً واحداً هناك صفعة على خده. وتبدو أزمة الكرملين مع المسلمين التتار في القرم متوازية مع تلك التي مع الأوكرانيين الكاثوليك في الغرب. أولئك التتار الذين هجرهم وذبحهم جوزيف ستالين قبل عقود، ويكرر ستالين الصغير اليوم الأمر ذاته معهم.

على موسكو أن تفهم حقيقة أن تاريخها مليء بالنقاط السوداء، وأن شعوب دول الاتحاد السوفييتي السابق ضاقت ذرعاً من نفوذها الزائد عن حده وممارساتها الأقرب إلى الاستعمارية. وعليها أن تسعى، بدلاً من افتعال المشاكل ودق الأسافين المذهبية والدينية، إلى التقارب مع تلك الشعوب على قاعدة التفاهم المشترك والندية والمصالح المتبادلة لا على قاعدة الهيمنة الفوقية الروسية الأرثوذكسية.

الاقتصاد الروسي

 تقلص فائض ميزانية المعاملات التجارية في روسيا إلى أقل من النصف ليبلغ 33 مليار دولار تقريباً. وانخفضت احتياطات النقد الأجنبي أكثر من سبعة في المئة مقارنةً بمستواها قبل عام. كما انخفض الروبل إلى أدنى مستوى في خمسة أعوام مقابل الدولار ليبلغ مستوى 36.80 روبلاً للدولار الواحد. كذلك، رفع البنك المركزي الروسي سعر فائدة الإقراض الرئيسي بمقدار 1.5 نقطة مئوية إلى 7 في المئة ويتوقع البنك تلاشي فائض ميزانية المعاملات التجارية بحلول