ليس خافياً أن زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما غداً إلى المملكة العربية السعودية، ليست عادية. هي زيارة «لإصلاح واقع حال» العلاقات المأزومة. أو بالأحرى هي محاولة في هذا الخصوص. ليست مضمونة النتائج، حسب قراءات أميركية مطلعة.
الأزمة بين البلدين، غير مسبوقة من حيث منسوب التوتر والارتياب. صحيح أن العلاقات بينهما «كانت صعبة طوال تاريخها» كما يقول الباحث والخبير في مركز وودرو ويلسون للدراسات الدولية في واشنطن ديفيد أوتاواي، لكن كانت «تعاد بعد كل أزمة إلى سكّتها». وذلك بحكم كونهما حليفين وصديقين تاريخيين. بيد أن الأمور هذه المرة مختلفة. وصلت إلى عقدة غير مسبوقة. ودرجة الاحتقان عالية ومكشوفة.
في السابق كان يبقى «سوء التفاهم» في قنواته الدبلوماسية. وكذلك كان يحصل تجاوزه. الآن، في الأمر مأزق: الشق الخلافي الإقليمي يتعذر تسويته. والشق التحالفي الثنائي لا يقوى البلدان على تبديده. وكل شق له حيثياته المتباينة لدى الجانبين. من هنا تكاد تجمع تقديرات المراقبين في واشنطن على أن الزيارة لن تقدر على إخراج العلاقة من هذه المعادلة.
رزمة تطمينات
الرئيس أوباما، ذاهب وفي جعبته رزمة «تطمينات» فقط. ليس في حساباته التراجع عن توجهاته التي رسمها بشأن أزمات المنطقة. محادثاته، ستدور حول ثلاثة محاور: إيران وسوريا وعملية السلام، على ما قالت سوزان رايس، مستشارته لشؤون الأمن القومي. سيضاف إليها العراق وربما لبنان.
المحور الإيراني يبقى الأهم. منه تتفرع جوانب هامة من المحاور الأخرى. وهو ينطوي على النووي، كما على احتمال انفتاح أميركي - إيراني لاحق، لا يستبعده بل يدعو إليه كثيرون من مرجعيات السياسة الخارجية في واشنطن، في حال انتجت المفاوضات صفقة نووية. «ومثل ذلك لا ترتاح إليه السعودية»، يقول اوتاواي.
الأزمة السورية، أيضاً يدور حولها خلاف كبير. إدارة أوباما حسمت ونفضت يدها من الموضوع، منذ تراجعها عن «الخط الأحمر» وسحبت شعار: «على الأسد أن يرحل» من التداول. بل هي تبدي شيئاً من التجاهل حين تردّد مؤخراً بأن الأسد قد يترشح لتجديد رئاسته وأنه ربما يجدّد. ولا يتوقع العارفون في واشنطن أن يقدم أوباما على تغيير سياسته هذه رداً على ما حصل في اوكرانيا «إلاّ إذا تغيّر هو وصار اوباما آخر»، حسب أوتاواي.
عمية السلام، هناك توافق حول مسارها. السعودية أبدت ارتياحها لجهود الإدارة في هذا الخصوص. لكن هذا مشروط بالحصيلة. وليس في الأفق ما يبشر بالتوصل إلى اتفاق خلال الشهر المتبقي من المهلة المحددة. الإدارة تلوّح بخيار تمديد المفاوضات. الرئيس محمود عباس (أبومازن) سمع مثل هذا الكلام خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن. البيت الأبيض ليس في وارد ليّ ذراع إسرائيل لحملها على القبول باتفاق الإطار. ناهيك بالتسوية النهائية. ومثل هذه النتيجة ستزيد من برودة العلاقات.
يبقى العراق، الذي لا يوجد غير التنافر بين واشنطن والرياض بشأنه. فما تراه السعودية يتضارب تماما مع ما اختارته واشنطن. خصوصاً لجهة العلاقة مع رئيس الحكومة نوري المالكي، المقبول أميركياً والمرفوض تماماً سعودياً.
مهمة مستحلة
على هذه الخلفية يصف اوتاواي زيارة اوباما بأنها «مهمة مستحيلة». وكان في المدة الأخيرة قد تردّد كلام من هذا النوع، في سياق تقويم العلاقات بين الحليفين المتباعدين في المواقف من أزمات المنطقة ومعادلاتها. فالمصالح افترقت، يقول دافيد اغناتشيوس المحلل الواسع الاطلاع. وبالتالي لا بدّ أن تفترق السياسات. وفي ضوء هذا الواقع ثمة من يرى ان الصيغة العملية المتاحة تكمن في «تحويل التحالف إلى شراكة» أميركية سعودية، تتحمّل التباين حين ينشأ وتعمل بالتعاون حين تتقاطع المصالح.
إلى ماذا ستفضي الزيارة؟ ربما إلى التوافق على إدارة أزمة العلاقات.