في وقت تستعد فيه الحكومة اللبنانية لعقد أول اجتماع لها اليوم الأربعاء ،دخلت البلاد رسمياً أمس، زمن الاستحقاق الرئاسي لانتخاب الرئيس 13 للبلاد (عملاً بالمادة 73 من الدستور)، بعدما كان هذا الاستحقاق انطلق سياسياً منذ أشهر عدّة. وذلك، من دون أن تتضح صورة المشهد الرئاسي الخاضع لتوازنات دقيقة، داخلياً وخارجياً. ذلك أنه، كلما تشظّت العلاقات اللبنانية وازداد الشرخ الوطني، كبر منسوب حضور الخارج. والعكس صحيح ويبقى السؤال معلّقاً لأجل غير مسمّى: هل للبنان أن يفوز برئيس جديد بين 25 مارس (يوم أمس) و25 مايو المقبل وهو موعد نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان.
وفي السياق، تجدر الإشارة إلى أن المهلة المقرّرة دستورياً لاستحقاق الانتخابات الرئاسيّة تمتد إلى شهرين، من دون أن يكون في وسع أيّ أحد الجزم بأن الانتخاب سيحصل خلال شهرين على الأكثر، أو شهر على الأقلّ، قبل اليوم الأخير من ولاية الرئيس ميشال سليمان.
وفي المحصلة، فإن أمام نواب لبنان مهلة شهرين لتجنّب الفراغ واختيار رئيس لن تكون مهمته عادية. فإما أن يشكّل انتخابه فرصة ذهبية لإعادة توحيد البلاد التي أنهكتها الانقسامات، استكمالا لتجربة «حكومة المصلحة الوطنية»، وإما أن تُهدر هذه الفرصة وتُترك البلاد فريسة للتداعيات الخطيرة.
اهتمام أميركي
وفي الوقت الذي وضعت الولايات المتحدة هذا الاستحقاق في طليعة اهتماماتها اللبنانية، وحدّدت موقفها القاضي بإتمام الانتخابات في موعدها ورفض التدخلات الخارجية، فإن الضبابية لا تزال تلفّ مواقف القوى السياسية اللبنانية.
ومع دخول البلاد، مبدئياً، في مسار إطلاق حيوية سياسية مختلفة تتركّز على بلورة الخيارات الأوليّة لهذا الاستحقاق، استشرفت مصادر معنية أن يبقى هذا المسار في مراحله الأولى بطيئاً وغامضاً وعرضة لمشاورات أولية غير حاسمة، نظراً إلى الكثير من العوامل الداخلية والخارجية التي تتحكم بالمناخ اللبناني عموماً، والتي لا يتوقع معها أيّ تطورات جدية أساسية في شأن الاستحقاق قبل اقترابه من أسابيعه الأخيرة.
عملياً، وعشية بدء المهلة المقرّرة للانتخابات الرئاسية دستورياً، كان رئيس مجلس النواب نبيه بري، المناطة به صلاحية تحديد موعد جلسة انتخاب رئيس جديد، وتحت سقف «لبننة» الاستحقاق، عمد إلى تشكيل لجنة نيابية ثلاثية من كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها، وأناط بها مهمة تأمين أوسع إجماع على عقد جلسة انتخاب رئيس للجمهورية، في حين بدأت قوى 14 آذار حراكاً بعيداً من الأضواء، في محاولة منها لتوحيد قراءتها السياسية من هذا الاستحقاق.
بداية عمل
وفي السياق، ستبدأ لجنة «التنمية والتحرير» عملها، خلال الساعات المقبلة، كون «الدستور واضح والنيّة موجودة، ولكن تبقى تهيئة الأجواء الإقليمية والدولية وصدق النوايا الداخلية لإنجاز هذا الاستحقاق»، بحسب قول مصدر مراقب لـ«البيان». أما الكلام السياسي، فبدأ بالتصاعد على وتيرة الاستحقاق وانعكاسات إنجازه في المهلة الدستورية على الحياة السياسية في البلاد. وهذا ما أكده رئيس الوزراء تمام سلام، إذ رأى أهمية إحقاق الاستحقاق من زاوية أن الوضع لن يتحوّل إلى الأفضل إلا إذا أجريت الانتخابات الرئاسية.
وإذا كانت المادة 73 من الدستور تولي رئيس المجلس دعوة المجلس لانتخاب الرئيس، إلا أن أوساطه تعتبر أن تحديد موعد في الأسبوعين المقبلين في غير محله، لأن عمل لجنة الاتصالات النيابية يحتاج إلى وقت ولا يمكن القفز في المجهول وتحديد موعد جلسة لا يكتمل فيها النصاب، نظراً لما يمكن أن يترتب عن ذلك من انعكاسات سلبية، فضلاً عن الحاجة إلى جلاء المناخ الإقليمي- الدولي المتعلق بالرئاسة الأولى.
واستناداً إلى المصادر نفسها، فإن الرئيس بري لن يكرّر التجربة الماضية بالدعوة إلى جلسات تقاطعها كتل نيابية، كما حصل قبل انتخاب الرئيس سليمان (أكثر من 19 دعوة)، وهو سيعمل جاهداً لتأمين الأجواء المناسبة لجلسة انتخاب الرئيس، المحكومة بأصول وقواعد واضحة، وذلك بمعزل عن لعبة الأسماء، مع تأكيده على أن المطبخ الداخلي ستكون له الأرجحية وله القرار المرجّح بشأن الرئيس الجديد.
الهم الأمني
في غضون ذلك، ومع بقاء الهمّ الأمني في صدارة الاهتمام والمتابعة، تعقد حكومة الرئيس سلام اجتماعها الأول، غداً، بعيد عودة الرئيس سليمان من قمّة الكويت، وفي مقدّم جدول الأعمال كيفية ضبط الأمن الذي بات هاجس الجميع، ومواجهة المشاكل الإنمائية والإدارية، بعدما استعادت الدولة مفاتيح الحكم. علماً أن جدول أعمال الجلسة يتضمن 76 بنداً، أبرزها التمديد لنواب حاكم مصرف لبنان ولاية ثانية، والبحث بمصير شركتَي تشغيل الهاتف الخليوي «ألفا» و«إم تي سي»، حيث من المرجح أيضاً تمديد عقدَي الشركتين ثلاثة أشهر، إضافة إلى البحث في الخطة الأمنية لطرابلس، فضلاً عن مسائل لها علاقة بقضايا حياتية وإدارية ملحّة.