تلقت حركة النهضة الإسلامية التونسية ضربتين موجعتين باستقالة الأمين العام للحركة رئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي، الذي يعدّ الرجل الثاني في «النهضة».. وبينما تحدثت مصادر في الحركة عن عزمه تأسيس حزب جديد، يعتزم تياران انشقا عن الحركة تشكيل حزبين سياسيين جديدين بعيدين عنها.

وأقرّ الناطق الرسمي باسم الحركة زياد العذاري أمس، تقديم الجبالي استقالته من الأمانة العامة لحركة النهضة، ولكنه أشار إلى أن الهيئات التنظيمية للحركة لم تحسم بعد موقفها بقبول أو رفض هذه الاستقالة.

وأكدت مصادر في الحركة أن الجبالي قدّم وثيقة الاستقالة منذ أسبوعين في عدة نسخ لكل من رئيس الحركة راشد الغنوشي والمسؤول عن النظام الداخلي عبدالحميد الجلاصي ورئيس مجلس شورى الحركة فتحي العيادي.

ويعتبر الجبالي الرجل الثاني في «النهضة» بعد راشد الغنوشي، وسبق له أن قضى 16 عاما داخل سجون النظام السابق بعد تورطه وقيادات من الحركة في محاولة انقلابية في العام 1991.

ضربة موجعة

ويرى المراقبون أن استقالة الجبالي تمثّل ضربة موجعة لحركة النهضة، وخاصة للتوازن الجهوي والفئوي وللتيّار المعتدل داخلها، كما تمثّل انتصارا لقوى الحركة ذات العلاقات المباشرة بالتحالفات الخارجية وبالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، حيث إن الجبالي كان يعتبر من عناصر الحركة التي لم تعش في المهجر ولم ترتبط بالقوى الأجنبية.

من جانبه، لم يستبعد العذاري إمكانية توجه الجبالي، الذي ترأس أول حكومة تونسية بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011، نحو تأسيس حزب جديد. وقال: «من الممكن أن تكون لحمادي الجبالي مشاريع أخرى»، ولكنه استبعد حدوث «موجة استقالات من حركة النهضة».

استقالة كوادر

ولفت مراقبون إلى أن هذه الاستقالة تأتي بعد استقالة عدد من كوادر حركة النهضة، منهم منار إسكندراني ورياض الشعيبي، اللذان أعلنا في وقت سابق عزمهما تأسيس أحزاب جديدة، ما يعني أن التماسك التنظيمي الذي كانت حركة النهضة الإسلامية تتباهى به بدأ يتفكك.

وأعلن في تونس عن قرب إطلاق حزبين سياسيين جديدين ينحدران من رحم الحركة، في إشارة الى أول بوادر الانشقاق الفعلي، ولكن في اتجاهين، الأول في اتجاه التشدد والراديكالية، والثاني في اتجاه الانفتاح أكثر على الواقع التونسي والخصوصيات المحلية.

ويأتي هذا التحرك فيما تشهد «النهضة» مخاضا عسيرا نتيجة الخلافات بين جناحي الحمائم والصقور في القيادة، وكذلك نتيجة مواقف الأنصار الذين لم يستوعبوا بعد فكرة التخلي عن الحكم بسبب عدم قبولهم بفكرة الخضوع للضغوط الخارجية من جهة، ولفكرة الخوف من تكرار السيناريو المصري في حالة لم تستقل حكومة علي العريض، وخاصة بعد تفاقم الأزمة الأمنية والسياسية وتردي الوضع الاقتصادي في البلاد.

حزب راديكالي

وأعلن الشعيبي أنه سيتم قريبا الإعلان عن تأسيس حزب سياسي جديد له، مشيرا الى أن «شباب الثورة» سيكون العمود الفقري للحزب الجديد.

وأوضح الشعيبي أن استقالته «تعبّر عن موقفه، فالوضع السياسي دخل نفقا خطيرا، وتحولت العملية السياسية من محاولة لتحقيق الانتقال الديمقراطي الفعلي إلى مجرد مفاوضات حزبية وراء أبواب مغلقة لتقاسم السلطة».

واعتبر أن «خيارات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية لحكم النهضة لم تختلف عن خيارات النظام السابق، وكذلك خياراتها السياسية لم تكون بعيدة عن بقايا النظام السابق، تم تغييب المحاسبة والعدالة الانتقالية».

حزب الوفاق الوطني

أما الحزب الثاني فهو يحمل اسم «الوفاق الوطني»، ويتزعمه منار إسكندراني، والذي كان يعرف بأنه رجل المهمات الصعبة لرئيس الحركة راشد الغنوشي، كما تولى دور مستشار وزير الخارجية الأسبق رفيق عبد السلام (صهر الغنوشي) قبل أن يستقيل من المنصب.

ويقول إسكندراني إن حزبه مفتوح للجميع من إسلاميين ودستوريين وتجمعيين من أنصار حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل، مؤكدا أنه ضد كل أشكال الإقصاء والعزل السياسي.

حمادي الجبالي: استقالتي نهائية

تونس - البيان

أصدر الأمين العام لحركة النهضة حمادي الجبالي أمس بيانا توضيحيا حول أسباب وأبعاد استقالته من الأمانة العامة للحركة، مشيرا إلى أنها استقالة نهائية لأسباب «ذاتية وموضوعية»، لا يريد الخوض فيها.

وقال الجبالي، في البيان، «حرصًا على توضيح موقفي لأبناء النهضة والرأي العام حول ما تناقلته بعض وسائل الإعلام تلميحا أو تصريحا، وحول احتمال ترشحي للانتخابات الرئاسية القادمة أؤكد أنني أعلمت كتابيا يوم 5 مارس 2014 رئيس الحركة راشد الغنوشي وثلّة من قياداتها بقراري التخلي عن مهمة الأمانة العامة لأسباب ذاتية وموضوعية، لا أرى ضرورة أو فائدة في الخوض فيها خارج أطر الحركة، ولكن قراري الذي اتخذته عن روية هو نهائي، ويبقى لمؤسسات الحركة حق اختيار من تراه صالحا لهذه المهمة».

وأضاف الجبالي إن «التخلي عن هذا التكليف يجب ألا يفهم منه أنه محاولة لشق الحركة أو اضعافها أو التأليب عليها ولقد عاهدت نفسي ألا تؤذى الحركة، بل اعتبر قراري مساهمة مني في دعم صفها القيادي بجيل من الكفاءات». وأشار الجبالي الى أن «الإضافة الحقيقية اليوم هي تعزيز التوافقات والمصالحات وتوسيعها، من أجل التصدي لأعباء المرحلة المقبلة، وهي كثيرة وخطيرة ولا تحتمل التجاذبات وخطوط الفرز القديمة». وحول احتمال ترشحه للانتخابات الرئاسية القادمة، قال الجبالي إن ذلك «يبقى قرارا واختيارا هاما، لا يؤخذ نزوة أو شهوة وارضاء لطرف دون خدمة هذا الوطن، ولأنها أمانة ومسؤولية في الدنيا والآخرة فإني لا أرى في الوقت الحاضر أن شروط وظروف اتخاذي لمثل هذا القرار متوفرة، ويبقى الأمر مفتوحا في الوقت المناسب على كل الاحتمالات».

خلافات مع الغنوشي

حمادي الجبالي يمثّل قيادة حركة النهضة في منطقة الساحل التونسي، والتي تعود إليها جذور أبرز رموز السلطة في تونس خلال العقود الستة الماضية، بمن فيهم الرئيسان السابقان الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. وعرفت العلاقات بين الجبالي ورئيس الحركة راشد الغنوشي خلافات حادة، خاصة بعد عملية اغتيال القيادي المعارض شكري بلعيد. البيان