قرعت أحداث العنف التي عاشتها في مدينة امزاب في ولاية غرداية جنوبي الجزائر أخيراً وشهدت سقوط ثلاثة قتلى وجرح أكثر من 100 جرس إنذار من أنّ الجزائر في خطر مع طفو التوتر المذهبي في هذا البلد، فيما لم تشفع زيارة مسؤولين للمنطقة في وقف حدة المواجهات الدموية الدائرة بين الطائفتين المالكية والإباضية.. بينما وصف متابعون ما يجري بأنه استهداف للجيش الجزائري.
مواجهات عفوية
ويقول المحافظ الأسبق لبنك الجزائر المركزي البروفيسور عبدالرحمن حاج ناصر الرستمي، في تصريحات لـ «البيان»، إن «أسباب الاضطرابات الطائفية التي اندلعت في مدينة امزاب أبعد ما تكون عن المواجهات العفوية، التي قد تنجم عن الفوارق الإثنية والدينية أو الثقافية»، موضحا أن ما يجري في غرداية هو تعبير عن حالة التوتر الذي يعيشه الجزائريون، والذي يبين أن الجزائر في «خطر حقيقي»، على خلاف الرواية الرسمية التي ترفض الاعتراف بأن العنف أصبح منذ عقود لغة التعبير الوحيدة في البلاد.
عنف كامن
ويضيف الرستمي إن «امزاب هي حلقة فقط من حلقات سلسلة التعبير بالعنف الذي عرفته العديد من مناطق الجزائر، ومنها أحداث الشرق الجزائري، وفي جسر قسنطينة في الوسط، وفي إليزي وجانت وبرج باجي مختار في أقصى الجنوب الجزائري». ويفسر الأحداث الدموية في تلك المناطق بوجود عنف كامن سببه الفوارق التي تعود للنسب أو لوجود عصابات حضرية، حيث يريد الجميع من وراء العنف تحقيق الاعتراف بهوية ثقافية، أو تكريس نفوذ مجموعة عرقية. لكنه يستدرك قائلا إن الأمور في امزاب حيث ذهبت إلى أبعد من ذلك، «حيث كان تدخل قوات الأمن ملتبسا، جعل الهدف من تنظيم الإضرابات هو الحيلولة دون تعريض المتظاهرين للعقاب».
لا تدخلات
ورفض المحافظ الأسبق لبنك الجزائر الاتهامات التي تتحدث عن حصر المشكلة في وجود يد أجنبية تحرك المحتجين، متسائلا عن دور جهاز المخابرات الجزائري، وكذا عن دور أدوات السلطة الوطنية الأخرى من شرطة ودرك، و«لماذا تفشل في لعب دورها سواء تعلق الأمر بالأحياء الجديدة التي تعتبر مصدرا للعنف؟!»، مستنكرا حدوث ذلك في بلد يخصص فيه قسم كبير من ميزانية الدولة لقوات الأمن. ويعتقد الرستمي أن الهدف من استمرار التوتر في امزاب ومناطق عدة هو إضعاف الجزائر عن طريق ضخ أقصى لكافة ما يمكن أن تسمح به ثرواتها، وترك سكانها ينساقون وراء العنف، ما يدفع لتدخل الأمن ويخلق عنفا أكبر يسمح بتحقيق الشق الثاني من الهدف وهو «تحطيم الجيش الجزائري».
مزج إيجابي
من جانبه، يكشف المتخصص في تاريخ المنطقة المهندس عبدالحميد بن ولهة أن الثقافة السياسية للدولة التي سادت بعد الاستقلال في 1962 ساهمت بقوة في ديمومة التوتر بين الطائفتين.
ويقول بن ولهة، في تصريحات لـ «البيان»، إنّه «كان بالإمكان حل الإشكال عن طريق المزج الايجابي بين الطائفتين اجتماعيا في المنطقة، حيث سمحت السلطات ببناء احياء معزولة للمذهب الاباضي لا يمكن دخول غيرهم إليها. موضحا أن الخطأ الثاني الذي تتحمل عواقبه السلطات هو تعاملها مع امزاب على أنها منطقة أقلية من «البربر».
أحكام بالسجن
أصدرت السلطات الجزائرية أحكاما بالسجن تراوحت بين ثلاثة شهور و18 شهرا بتهمة التجمهر على الطريق العام بحق عشرة اشخاص اوقفوا اثر المواجهات التي شهدتها مدينة غرداية في جنوبي الجزائر. كما أصدرت أحكاما على خمسة آخرين بالسجن تراوح بين ثلاثة شهور وعام مع وقف التنفيذ.