أزمة أوكرانيا التي بدأت منذ أواخر نوفمبر الماضي ووصلت إلى ما هي عليه اليوم من تشنج وتوتر يعصف بالمنطقة ككل، لا يمكن قراءتها بعيداً عن التطورات التي تشهدها الساحة الدولية بشكل عام، وعن الصراع القطبي الناشئ بين الولايات المتحدة والغرب من جهة، وروسيا من الجهة الأخرى، بشكل خاص.
ومن يرى غير ذلك فإنه بحاجة إلى إعمال عقله والتفكير معمقاً في المصالح الدولية وتقاسم مناطق النفوذ بين الولايات المتحدة ورسيا على وجه التحديد، وصراعاتهما غير المنتهية على المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية الجيوسياسية في العالم.
قلعة موسكو
مع بدء الاحتجاجات في العاصمة الأوكرانية كييف وتحديداً في ساحة الاستقلال، إثر تراجع الرئيس المعزول فيكتور يانكوفيتش عن توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بضغط من موسكو، بدأت التظاهرات والمسيرات بطابع سلمي.
ثم تطورات إلى منحى تصعيدي مع استيلاء المعارضة على مبان حكومية، حيث سقط في هذه التطورات قتلى وجرحى، لكن ما إن توصلت المعارضة والنظام في 21 فبراير الماضي لاتفاق خريطة طريق برعاية دولية، يلحظ تشكيل حكومة ائتلافية وإعادة العمل بدستور عام 2004.
والذي يقيّد صلاحيات الرئيس، وصولاً إلى الانتخابات الرئاسية، حتى تصاعد العنف والاحتجاجات في اليوم التالي حاصداً مئات القتلى والجرحى، وتطورت الأحداث بشكل دراماتيكي وأسفرت عن عزل يانكوفيتش وتسلم المعارضة لمفاصل الدولة، وإطلاق سراح المعارضين وفي مقدمتهم رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشنكو.
قراءة للمشهد
وهنا لا بد من الوقوف عند هذه التطورات السريعة بالتحديد، حيث إن اتفاق 21 فبراير كان يمثل انتصاراً لموسكو وحلفائها، وفي نفس الوقت يتيح للمعارضة الموالية للولايات المتحدة والغرب الانخراط في الحكومة والبرلمان بشكل قوي، كما يعطيها الحق في فرملة قرارات الرئيس، لكن الاتفاق لم يرق لكثير من الدول التي لها مصالح مباشرة في أوكرانيا، والرافضة لتفرد روسيا في الساحة الأوكرانية.
فيما بدا أنه شد على أيدي المعارضة وتوجيهها لتصعيد الموقف، وما حدث إثر الاتفاق يثبت ذلك، وتعززه المخاوف التي نقلها مسؤولون أوروبيون مناوئون لروسيا بشأن تورط قيادات في المعارضة في إطلاق النار على المتظاهرين والمسؤولية عن حمام الدم الذي شهدته البلاد في 22 فبراير وسقط فيه مئات القتلى والجرحى.
وما يشير إلى ذلك أنه منذ بدء الأزمة لم يسقط سوى بضعة قتلى رغم تجرؤ المعارضة على احتلال مبان حكومية سيادية، كما أنه في اليوم التالي لتوقيع الاتفاق لم تتغير طبيعة حراك الشارع، إذ كان سلمياً بامتياز، فلماذا تستخدم القوات الأوكرانية القوة غير المبررة لهذا الحد رغم أنه كان متاحاً لها ذلك في السابق ويمكن التذرّع بها إلى حد ما؟ ما يفتح الباب على مصراعيه للتساؤل، من المستفيد من ذلك؟
حلبة صراع
يظهر ذلك أن أصابع خارجية لعبت وما زالت تلعب في الأزمة الأوكرانية في مسعى للتخلص من نظام موال لموسكو واستبدال آخر موال للغرب به، لمحاصرة روسيا في أحد أهم معاقلها في شرق أوروبا، حيث الأسطول الروسي في قاعدة سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم، والذي يمثل ذراعاً متقدمة لموسكو في مواجهة الأساطيل الأميركية في أعالي البحار، هذا فضلاً عن إمدادات النفط والغاز الروسية لأوروبا، والتي تمر بأوكرانيا وتستخدمها موسكو في تحقيق مآرب سياسية، فضلاً عن مليارات اليوروهات التي تضخّها لخزينة الدولة.
صراع مرير
التطورات في شبه جزيرة القرم وخاصة التحركات العسكرية للقوات الروسية وحركة قطع الأسطول الروسي، فضلاً عن الاستفتاء المزمع إجراؤه حول انضمام الإقليم ذاتي الحكم إلى روسيا، تنذر بصراع دولي مرير قد يطول خاصة مع تلويح واشنطن والعواصم الأوروبية بعقوبات تستهدف أعلى المستويات في موسكو.
في المقابل تلوّح موسكو بقطع إمدادات النفط عن أوروبا والتراجع عن معاهدة «ستارت» لتخفيض ترسانتها النووية، فضلاً عن الرد بعقوبات مماثلة وشن حرب اقتصادية على الولايات المتحدة.
