بات تكرار الأزمات السياسية أمراً مألوفاً في العراق، الذي يشهد إلى جانب أعمال العنف شبه اليومية نزاعات مستمرة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وخلافات بين حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي وعدد من الأحزاب، فضلاً عن أزمة الأنبار التي تتفاقم يوماً بعد يوم وتهدد استقرار العراقيين جميعاً.

ومنذ قرابة شهرين، تنفذ القوات العراقية عملية أمنية متواصلة في مدن محافظة الأنبار وصحرائها غربي البلاد لمواجهة مسلحين متشددين، ترافقها على الدوام تفجيرات وأعمال عنف واستهداف مسؤولين كبار بين الحين والآخر.

وترى لجنة الأمن والدفاع البرلمانية أن العراق يواجه حرب استنزاف في الأنبار، تتمثل في الإنفاق المالي الكبير على العمليات، الذي لم يرافقه تقدم عسكري يذكر، وتلفّه الضبابية وعدم الوضوح، في ظل اتهامات للحكومة بتغطية نفقات العملية العسكرية من ميزانية الطوارئ، بالإضافة إلى مخصصات مكتب القائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي.

تلك النفقات الحربية، التي أضيف إليها كلفة حرب الأنبار التي تبلغ سبعة ملايين دولار يومياً، تعيق قدرة الدولة المحدودة على تحمّل أعباء الدفاع عن باقي المناطق، ناهيك عن الخسائر البشرية غير المعلنة في صفوف القوات المسلحة، مع الحديث عن أن أكثر من ربع موازنة العراق تذهب إلى الأجهزة الأمنية، فضلاً عن سحب جزء من مخصصات الطوارئ كالفيضانات والكوارث الطبيعية ومكافحة الإرهاب، وسط غياب أي رقابة من الجهات البرلمانية والحكومية، ما يفتح باباً جديداً من الاتهامات للمالكي وحكومته.

3 جبهات سياسية

وفي غضون هذا التدهور الأمني والميداني، يبقي المالكي محاصراً بمجموعة من الأزمات السياسية مع السنة والشيعة والأكراد، حيث أقرّ موازنة مالية رفضها الأكراد، وألغى صلاحيات المحافظات فأغضب الشيعة، وفضّ اعتصام مدينة الرمادي ما تسبب في انسحاب نصف النواب السنة من البرلمان. ويتهم خصوم رئيس الوزراء وبعض حلفائه المالكي علناً بصناعة الأزمات والانفراد بالقرار، رغم إعلانه المتكرر في أكثر من مناسبة أنه يرغب في تشكيل حكومة أغلبية سياسية، بديلاً عن شركاء يضعون قدماً في خانة الحكومة وأخرى في خانة المعارضة، حسب رأيه.

معركة انتخابات

ومع اقتراب إجراء الانتخابات النيابية نهاية إبريل المقبل، ومع تكرار الأزمات السياسية والإدارية والأمنية التي تعصف بالعراق منذ ثماني سنوات، يبقى سعي المالكي لولاية ثالثة محط أنظار واهتمام أنصاره، وخصومه الذين تضاعفت قوتهم هذه المرة بعد ما وصف بأنه «تحالف شيعي سني كردي» للإطاحة به، كما حدث في انتخابات مجالس المحافظات التي أجريت قبل ثمانية شهور.

ووسط تأكيدات رسمية بإجراء الاستحقاق في موعده، تواجه المفوضية العليا للانتخابات في العراق صعوبات جمّة لاستكمال استعداداتها، تتمثل في انعدام الأمن وانشغال السلطات بملفات أخرى تكرس لها أشكال الدعم كافة، فضلاً عن عزوف واضح للناخبين عن تسجيل أسمائهم في السجلات، ما يضع شكوكاً جديدة حيال إجراء الاستحقاق في موعده، ومصداقية نتائجه.

 

حصيلة ضحايا

رغم الانفلات الأمني الواضح في العراق، كان لافتاً الحصيلة الرسمية التي أعلنتها الحكومة، والتي عكست تراجعاً في معدلات أعمال العنف اليومي في فبراير الماضي مقارنة بالشهر الذي سبقه، لكنها بقيت مرتفعة حيث ازدادت ثلاث مرات عن الشهر ذاته من عام 2013. ووفقاً لأرقام وزارات الصحة والداخلية والدفاع، قتل في فبراير الماضي 790 شخصاً، معظمهم من المدنيين. وتمثل هذه الأرقام تراجعاً عن معدلات ضحايا يناير الماضي، حين قتل أكثر من 900 شخص، إلا أنها أكثر بثلاث مرات من أعداد ضحايا شهر فبراير من عام