«متى ستعود الشمس فوقنا؟.. من الذي سيكشفها إلينا مجدداً؟». ليست هذه كلمات أغنية لمطربة لعوب أو مغنٍ وسيم، بل مقدمة أنشودة لأطفال روانديين أيتام تحكي أملهم بمستقبلٍ جديد خالٍ من الكراهية والحقد. انطلاقاً من 7 أبريل 1994 وحتى 15 يوليو، انشغل العديد من الروانديين بالهرب من الشمس لكي لا تكشف أماكن اختبائهم خوفاً من آلة قتلٍ منفلتة من عقالها. عشرون عاماً مرت على المجازر المروعة التي ارتكبت في «أرض الألف تلة» وراح ضحيتها قرابة مليون في 100 يوم.
معدل مرعب يعني ما يعنيه أن حوالي 300 رواندي كانوا يقتلون كل ساعة. هذا ما يساوي في ثلاث ساعات حصيلة قتلى تمرد حركة «إيتا» الباسكية في إسبانيا على مدى 35 عاماً ويصل في مجمله إلى نحو تسعة أضعاف ضحايا حروب يوغسلافيا خلال ثمانية أعوام.
في البلقان، جرى القتل بالتزامن على أرض أوروبية، ولم يكن أحد من الأوروبيين يريد أن تملأ تلك القاذورات ساحته الخلفية، فكان من الضروري التدخل لوقف المجازر. لكن، لا بأس إن مات أناس منسيين في قارة مهملة كأفريقيا وبلدٍ بلا وجه مثل رواندا، فهم سيتوفون على أية حال سواء بالمجاعة أو الملاريا.
والجواب عن: كيف لقي هذا العدد الهائل حتفه؟ بسيط للغاية. لقد شاركت أغلبية الشعب في حملة إبادة جماعية هستيرية مستخدمة ما تيسر لها من أسلحة. بالساطور.. بالعصي.. بالأسلحة النارية.. بالمناجل. لا يهم. المهم قتل أكبر عدد ممكن من «الصراصير» أو الـ«إينينزي» باللغة الكينيارواندية.
هكذا سمى المتطرفون من عرقية الهوتو، التي تشكل 85 في المئة من سكان رواندا، شركائهم في الوطن التوتسي، الذين يشكلون 14 في المئة، من دون أن يوفروا أيضاً الهوتو الذين رفضوا المشاركة في القتل. تقصّد المتطرفون الهوتو استخدام هذا المصطلح. حينما سُئلوا عن السبب، أجابوا: ما الذي تفعله مع الصراصير عادة؟.. تدوس عليهم!. أول دروس الإبادة الجماعية أن تبدأ بتشييء الهدف.. أي نزع صفة الإنسانية عنه.
دور الاستعمار
والحال، أن الاستعمار الألماني ومن بعده البلجيكي عرف من أين تؤكل الكتف في رواندا. لا يتكلم الروانديون بالكثير من السوء حيال الألمان الذين بقوا لنحو ثلاثين عاماً، لكن حينما يأتي ذكر البلجيكيين، يُبدون غضباً شديداً.
أصل الحكاية، أن هؤلاء احتلوا رواندا لقرابة نصف قرن (بين 1916 و1962) بعدما ظفروا بها كغنيمة حرب ومارسوا سياسة «فرق تسد» المعروفة. دعم البلجيكيون أقلية التوتسي في البداية قبل أن ينقلبوا في أواخر فترة استعمارهم على أنفسهم ويقفوا إلى جانب أغلبية الهوتو التي لطالما اشتكت التهميش والنظرة الدونية. كان البلجيكيون يقيسون فعلياً طول أنف كل شخص لتصنيفه في بطاقة الهوية التي أصدروها العام 1935، حيث روجوا الفكرة النمطية بأن الهوتو يميلون إلى القصر وامتلاك بشرة غامقة السواد وأنف مسطح، بينما التوتسي أطول وبأنف غير مسطح وبشرة فاتحة أكثر.
ولذلك، يفهم الجميع الآن لم اختار المتطرفون الهوتو كلمة سر: «اقطعوا الأشجار الطويلة!» لبدء ساعة صفر الإبادة الجماعية، ولماذا تماهى هؤلاء مع المستعمر في تسويق دعاية أن التوتسي لا ينتمون إلى رواندا بل أحفاد مهاجرين أتوا من أثيوبيا، التي يعرف شعبها ببشرته الأقل سواداً. لكن الروانديين يصرون على أنهم عرق واحد وديانة واحدة، وأن التقسيم إياه ما هو إلا تصنيف طبقي حوله البلجيكيون إلى عرقي. النظام القبلي الملكي- الإقطاعي الذي كان يسود البلاد قبل قرون تميز بتسيد التوتسي وتبعية الهوتو.
وبالنسبة إلى الروانديين، الفوارق في أساسها اقتصادية قبلية- اجتماعية وليست عرقية. ومن هنا، يفسرون معادلة البقرات التي تثير الدهشة. ملخص النظرية الحسابية هو أنه لكي تكون توتسي فيجب أن تمتلك عشر بقرات على الأقل. وإن ماتت بقرة، تنخفض مرتبتك الاجتماعية وتصبح هوتو!!. وإن تملكت بقرة جديدة بعد موت الأخيرة بإمكانك أن «ترتقي» مجدداً إلى مرتبة توتسي; لكن يلزم لذلك مراقبة سلوكياتك، على اعتبار أن الهوتو وصفوا على الدوام بأنهم مزارعون غير متمدنين.
عهد المجازر
ما لبثت التوترات أن انفجرت على شكل مجازر بين 1959 و1961 سميت «رياح التدمير» ارتكبها الهوتو على خلفية إشاعة كاذبة بأن ناشطاً منهم قتل على أيدي مسلحين من التوتسي. سبق تلك الممارسات «بيان الهوتو» في 1957 والذي دعا إلى تخليص الأغلبية من سيطرة الأقلية ويعتبر المحرك الأساسي لـ«رياح التدمير».
نزح نحو ثلث التوتسي إلى الخارج وقتل ربعهم وأضحت رواندا جمهورية مستقلة يحكمها الهوتو على إثر إلغاء الملكية التوتسية. العدد الهائل من اللاجئين، ومنهم الرئيس الحالي بول كاغامي، نشأ في مخيمات دول الجوار ناقماً على سياسات الحكم، ما مهد إلى ظهور فصيل مسلح في أوغندا العام 1987 يدعى الجبهة الوطنية الرواندية شن حرباً عبر الحدود وفي المناطق الشمالية في أكتوبر 1990 استمرت حتى توقيع اتفاق تقاسم سلطة في تنزانيا قبل المجازر بثمانية شهور.
في تلك الأثناء، كان المتطرفون الهوتو يضخون الكراهية عبر أغاني المطرب الشعبي سيمون بيكندي وإذاعة «آر تي إل إم» التي سوقت لإيديولوجية «قوة الهوتو» ومجلة «كانغورا» التي نشرت «وصايا الهوتو العشر» وهي لائحة بما يتوجب عليهم القيام به للتخلص من التوتسي.
وكانت الطامة الكبرى أن تصدر دعوات الكراهية من أستاذ جامعي مرموق، وقيادي في حزب الحركة الديمقراطية الجمهورية الحاكم أيضاً، هو ليون موجيسيرا الذي طالب الهوتو في خطاب مشهور العام 1992 برمي التوتسي في نهر نيابارونغو، فلبى هؤلاء الدعوة خلال مجازر الـ100 يوم حتى وصلت الجثث بحيرة فكتوريا في أوغندا. تبخر كل أمل بالسلام حينما أسقط متطرفون هوتو طائرة الرئيس جوفينال هابياريمانا قرب مطار العاصمة كيغالي في 6 أبريل 1994 متهمين التوتسي بالتورط لتبرير الإبادة الجماعية بعدما أعدوا العدة لذلك عبر ميليشيا «الإنترهاموي» التي تعني «أولئك الذين يقاتلون معاً» و«إمبوزاموغامبي» والتي تعني «أصحاب الهدف المشترك».
ولأكثر من ثلاثة شهور، انغمست رواندا في حفلة موت جنونية لم يعرف لها التاريخ شبيهاً ستبقى وصمة عار في جبين المجتمع الدولي الذي أشاح بوجهه عن ذلك البلد الصغير الفقير. كما كانت تذكاراً لسكانها بأن أمامهم طريقان لا ثالث لهما: الموت أو الحياة.. الضغينة أو الإخاء.. الماضي أو المستقبل، وأن لا مفر من التعايش السلمي، بما أن خيار التقسيم غير حاضرٍ بسبب عدم وجود منطقة جغرافية محددة يتمركز فيها هذا الفريق أو ذاك.
نجحت بعدها الجبهة الوطنية الرواندية، التي تحولت إلى حزبٍ سياسي يحكم البلاد حالياً، في وقف المجازر ودخول العاصمة، مسببةً هجرة معاكسة هذه المرة للهوتو إلى الكونغو الديمقراطية (زائير حينها) والذين آثروا الفرار خشية الانتقام، خاصةً أن القتل كان «جماهيرياً» وليس مجرد حملة ممنهجة من أجهزة النظام، على اعتبار أن من قام بالإبادة هم أغلبية الهوتو الذين استهدفوا جيرانهم وزملاءهم في العمل وأصدقاءهم من التوتسي ونفذوا تعليمات الحكومة بقتل أي كان ونهب ما يحلو لهم في مثالٍ صارخٍ على خطورة طاعة السلطة العمياء.
اتُهمت الجبهة بغض النظر عن عمليات ثأر، مع أنها حاولت رسم صورة مغايرة، قبل أن تستتب الأمور شيئاً فشيئاً وتجف الدماء، في حين أرخت العلاقة المتوترة مع الكونغو الديمقراطية، المتهمة بدعم المتورطين من الهوتو وإيوائهم في شرق البلاد، بظلالها على الوضع المتوتر في منطقة البحيرات العظمى إلى الآن.
كيغالي اليوم
واليوم، تبدو المشاهد مختلفة في كيغالي حيث يسير شباب في مقتبل العمر في الشوارع وهم يتكلمون بالهواتف الجوالة الذكية ويتراسلون مع أصدقائهم عبر «فيسبوك» و«واتس آب»، ويجلس مستثمرون أوروبيون في فنادق خمس نجوم يتفحصون بريدهم الالكتروني عبر أجهزة الكمبيوتر المحمول. وفيما تنطلق في إحدى الحانات صيحات مشجعي كرة قدم يشاهدون مباراة بين ناديي برشلونة ومانشستر سيتي، ينشغل مسنون بممارسة رياضة المشي حول الملعب الرئيسي وهم يستمعون إلى الموسيقى من خلال أجهزة «الآي بود».
تصطدم بأولى المفاجئات لدى هبوطك في المطار. «الأكياس البلاستيكية ممنوعة لأنها مضرة بالبيئة». هكذا يقول لك موظف الجمارك مبتسماً ويعطيك بدلاً منها أكياس كرتون جاهزة. في بلدٍ كانت الجثث ترمى في النهر، لابد أن تستغرب هذا الاهتمام الزائد بالبيئة.
سرعان ما باغتتني مفاجأة ثانية في طريقي إلى الفندق: قضاة يتظاهرون في مسيرة ضد الفساد وسيارات الشرطة تحيط بهم لتأمين التظاهرة. حسناً، مشهد آخر لم يكن متوقعاً في أرضٍ كان الموت والحياة يعنيان كلمة مكتوبة على بطاقة الهوية. الطرق نظيفة إلى درجة لافتة للنظر، وبصراحة أكثر.. غير متوقعة.
الشوارع التي تزين طرفيها الأشجار المصفوفة والمشذبة بعناية وتعج بالإعلانات عن عروض على خدمات الانترنت وتغيب عنها تقريباً الفوضى المرورية هي نفسها التي ما كان بإمكانك قيادة سيارتك فيها لأنها مليئة بجثث المذبوحين. شبه انعدام للمتسولات أو اللصوص على الرغم من أن المجازر خلفت جيشاً من الأرامل وحيث لا تزال نسبة البطالة والفقر مرتفعة.
وبالتوازي، لا تخطئ العين انتشار الشرطة، وحتى أفراد الجيش، الملحوظ في الطرقات والساحات العامة، حيث تُحكم البلاد بقبضة أمنية وضعت رواندا في خانة الدول الإفريقية الأكثر أماناً، لكنها خلفت أكثر من انتقادٍ داخلي وخارجي لنوازع النظام الحاكم التسلطية.
يتفاخر الروانديون بالأمان الذي يسود بلادهم مقارنة مع أقرانهم في جنوب إفريقيا أو نيجيريا على سبيل المثال. يعتبرونه عاملاً جوهرياً في جذب الاستثمارات الأجنبية التي تتدفق على البلاد منذ عدة أعوام وتستهدف قطاعات الاتصالات والإنشاءات والسياحة. يريدون أن يخرجوا من اقتصاد الزراعة إلى اقتصاد المعرفة لكي تصبح رواندا «سنغافورة إفريقيا»، كما بات بعض المحللين يطلقون عليها.
مركز الإبادة
في مركز كيغالي للإبادة الجماعية، سيتعلم المرء أن يعتاد سماع الأرقام الفلكية التي سقطت في الصراع. هنا، لا يعترفون بالخانات المئوية، بل عليك أن تبدأ حسابك من عشرة آلاف فما فوق. في هذه الرقعة، قتل ربع مليون من التوتسي.
يصعب تخيل هذا الكم الهائل من الهياكل العظمية وقد اجتمعت في رقعةٍ ضيقة. يقال إنه لو أراد الراونديون دفن كل ضحية في قبرٍ منفصل لاستلزم الأمر تخصيص 38 ضريحا لكل كيلومتر مربع واحد.
ولهذا، اضطروا إلى جمع أكثر من رفات ودفنها في قبرٍ واحد سوية. السطح الاسمنتي للأضرحة ذات اللون الرمادي الأصم يتناقض بصورة سريالية مع الأشجار والزهور المحيطة بها وأصوات العصافير التي تذكر باستمرارية الحياة.
يسرد المركز تاريخ رواندا قبل وخلال وبعد حقبة الاستعمار، وتلاحق الزائر صور معلقة لأطفالٍ راحوا ضحية الحرب وتحولوا إلى مستقبلٍ ضائع. في زاوية أخرى، تعرض نماذج لأدوات القتل: بلطات، سواطير، عصي، ومناجل. وهذه الأخيرة لها قصة أخرى.
فقد كانت السلاح المفضل لشق جسد الضحية، واستيرادها لم يكن ليثير الشكوك في بلدٍ يمتهن معظم سكانه الزراعة. شحنت خصيصاً بدولارين للقطعة الواحدة من الصين التي تفاخر ببضاعتها رخيصة الثمن التي تقتل بشراً رخيصي الثمن كذلك. والمضحك المبكي، أن تلك الصفقات تمت بالدين وعلى أقساط طويلة الأجل، ولا تزال الحكومة الحالية تدفع ثمن ما اشتراه النظام السابق لقتل شعبه!. وبعد انتهاء الإبادة الجماعية، دخل مصطلح جديد في علم الطب يدعى «رهاب المناجل».
روى لي مرشد المركز كيف انخرطت زوجته في نوبة بكاء حينما وقفا أمام رف أدوات زراعية تتضمن مناجل في أحد المتاجر، وكيف يرفض بعض الروانديين التحدث مع شخصٍ غريب في الشارع يمسك منجلاً بل ويفرون من أمامه في بعض الأحيان إن استوقفهم للسؤال عن وجهةٍ ما، حتى أن جدلاً اشتعل فيما إذا كان يتوجب تقليص الاعتماد على هذه الأداة التي تحولت سلاحاً فتاكاً لن تنساه ذاكرة الروانديين أبداً. حينما تطأ أقدامك خارج المركز تشعر بثقل ما يحوم حولك ولا تشتعل مئات الأسئلة فوق رأسك.. كيف ولماذا ومتى وأين؟.. تبقى من دون أجوبة.
المسلمون.. موقف تاريخي رافض للمجازر
فاجأني أذان المغرب يصدح في سماء كيغالي. التفت، فرأيت من بعيد مسجداً وسط المدينة. الرموز الإسلامية لا تخطئها العين.. نسوة يرتدين الحجاب ورجال بلحى طويلة.
لم تزد نسبة المسلمين الروانديين على اثنين في المائة قبل الإبادة الجماعية. عانوا من التهميش والإهمال قبل ومنذ الاستقلال عن بلجيكا، ثم ما لبثوا أن نالوا اهتمام الروانديين المسيحيين بعدما رفضوا المشاركة في المجازر وحموا الكثير من الفارين وآووهم في المساجد التي لم تتجرأ الميليشيات على اقتحامها كما فعلت مع الكنائس، اللهم باستثناء حادثة واحدة لم تتكرر جرت في مسجد منطقة نياميرامبو.
يتوزع مسلمو رواندا بين الهوتو والتوتسي، وأولئــك الهوتو منهم لم يقبلوا قتل التوتسي من المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء. طبعاً، كان هناك بعض الاستثناءات من أمثال رئيس تحرير مجــلة «كانغورا» حسن نغيزة المسجون حالياً في مالي من قبل المحكمة الدولية الخاصة برواندا على ذمة إثارته الكراهية.
وبات لمسلمي رواندا حظوة كبيرة تتجلى في حصولهم على حقيبتين في التشكيلة الحكومية الحالية، مع الاعتراف بأعيادهم كعطل رسمية ومنحهم حرية تأسيس مدارسهم الدينية. وفوق كل ذلك، زادت نسبتهم بشكلٍ ملحوظ بعدما اعتنق التوتسي الإسلام كملجأ للأمان النفسي، والهوتو طلباً للخلاص الروحي، وعلى إثر الصدمة التي خلفها تورط بعض الكهنة والقساوسة في المجازر.
تصل نسبة المسلمين حالياً إلى خمسة في المائة، بينما تبقى الكاثوليكية مهيمنة تليها البروتستانتية. واللافت أكثر، أن التطرف الإسلامي غائب تماماً عن المشهد، ونشاطات الأصوليين تختفي في رواندا على عكس ما هو الحال في كينيا وتنزانيا وإثيوبيا.
التدخين
كيغالي هي المدينة الوحيدة في العالم التي زرتها وغادرتها من دون أن أرى مدخناً واحداً أو إعلاناً لماركة سجائر... لا أعرف السبب على وجه الدقة، إلا أنني أجزم أن السبب ليس ارتفاع أسعارها، إن عرفنا أن التدخين ممنوع حتى في الأماكن المفتوحة القريبة من تلك المغلقة مثل المسابح أو شرفات المطاعم الخارجية.




