فجرت الصور التي نشرها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، وتظهر قيام عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) بقطع يد شاب من مدينة مسكنة شرقي حلب بتهمة السرقة، موجة غضب عارم بين مختلف الأطياف السورية، لما لهذه الجريمة المروعة من آثار قاسية على النفوس والمشاعر، كما أنها تشكل خرقاً فاضحاً لشروط الفقه الإسلامي في زمن الحرب والمجاعة وفق الباحثين الإسلاميين.

وإذا كانت السرقة هي التهمة التي وجهت إلى هذا الشاب بغرض تطبيق الحدود، فإن النشطاء اتهموا تنظيم «داعش» بازدواجية المعايير في تطبيق الشرع الإسلامي وتحويره وفق ما تقتضي مصالحها الآنية، إذ إن «داعش» متورطة حتى النخاع في عمليات السطو والسرقة للثروات النفطية والزراعية والصناعية في شمال شرقي البلاد،علاوة على انتهاجها بشكل صارخ حملات نهب الممتلكات الخاصة والعامة في كل المدن والقرى التي سيطرت عليها.

سخط ونفور

وبناء على هذه المعطيات، أصبح تطبيق الشرع الإسلامي وفق رؤية «داعش» الخاصة بحق شاب فقير سرق لإطعام عائلته في زمن الحرب مثار سخط واستهجان ونفور، طالما أن «داعش» ذات نفسها تقود الحملة اللصوصية المنتشرة في المناطق الخاضعة تحت حاكميتها. وعبر ناشط مدني عن غضبه في هذا السياق بجملة مقتضبة: «فعلاً إذا لم تستح فاصنع ما شئت».

ومن الناحية الشرعية، الحدود لا تقام أثناء الحروب والمجاعات كما يقول رئيس الائتلاف الوطني السابق الشيخ معاذ الخطيب، كما أن الأمر لا يكون موكلاً إلى الناس بل إلى حاكم شرعي وليس إلى عصابات لصوص بحسب الخطيب.

ويضيف الخطيب: «لا يقام حد السرقة على من هو مسلوب الحق أوجائع أو معدم أو مذهول، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما طلب تاجر منه قطع أيدي عماله، سألهم عن سبب السرقة فقالوا إن التاجر لا يعطيهم كفايتهم، فطلب عمر منه أن يعطيهم حقهم وقال: «إن سرقوا ثانية قطعت يدك أنت».

«داعش» و«حالش»

ودفع هذا المشهد القاسي، أن يعقد النشطاء أوجه المقارنة بين وحشية «داعش» وصورة جرائم القوات النظامية وعناصر حزب الله اللبناني الذين باتوا ينعتون بـ «حالش».

فكتب الإعلامي السوري توفيق حلاق على صفحته في الفيس بوك: ««داعش» باسم الإسلام تقطع الأطراف، و«حالش» باسم الإسلام تمزق الأجساد».

غايات تكتيكية

وتشير المصادر المحلية القريبة من مدينة مسكنة، إلى أن الأمر لا يقتصر على سوء فهم «داعش» في تطبيق الحدود وفق المعايير الدينية المتعارفة، ولا ينبع من الغريزة الوحشية العرضية لدى بعض عاصرها، فثمة غايات تكتيكية يريد تنظيم «داعش» تحقيقها من وراء هذه الجريمة الشنيعة في هذه المدينة، حيث إن ترويع الناس عبر السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة وقطع الرؤوس، والآن تطبيق الجلد وقطع الأيدي بحق المدنيين سياسية ممنهجة من أجل سلب الإرادة المجتمعية في المناطق التي تشهد نفوراً عميقاً ضد خروقات «داعش» اليومية».

خطر على الإسلام

ويقول عبد الرحيم الحلبي وهو قريب من «الجبهة الإسلامية» التي تقاتل ضد «داعش» إن «هؤلاء جاؤوا لينتقموا من الإنسانية في سوريا.

فأي حدود في مثل هكذا ظروف؟»، مضيفاً القول: «هذه الهمجية هي أخطر على الدين من الذين يجاهرون بعداوتهم له».

مهمة شاقة

وبلورت الممارسات المتراكمة اليومية من قبل «داعش»، قناعة راسخة لدى غالبية السوريين في الآونة الأخيرة، بأن وجود «داعش» لا يقل خطراً عن النظام، فقطع الرؤوس والأيدي وتشويه الثورة يستوجب الخلاص منهم ومن النظام معاً، كما تقول ريم فليحان القيادية في الائتلاف الوطني السوري.

لكن الخلاص من تنظيم «داعش» وتطهير المناطق المحررة منه، بات مهمة شاقة كما يقول المراقبون، فالفصائل الإسلامية والثورية التي دخلت في صدامات عسكرية مع «داعش»، تجد نفسها محصورة بين فكي الكماشة، فالنظام من الأمام و«داعش» من الخلف، وتبدو خيارات تلك الفصائل معدومة، في ظل انكسار الإرادة الشعبية بفعل الخوف.

 

حشد!

يقول نور الواكي وهو ناشط مدني منحدر من بلدة الباب التي تسيطر عليها «داعش» في معرض تعليقه على طبيعة الحشود المتجمهرة وهم يحدقون بالحادثة: «استغرب من وجود هذا الحشد الذي يلتف حول المتطرفين، وأقدر أن عقدة الخوف والرهبة لا تزال موجودة فالإرهاب الذي كان من قبل الأسد وجد بديلاً عنه بشكل سريع لم يترك مجالا للسوريين أن يكسروا أية عقدة ولا تزال الإشكالية قائمة، مع أني على ثقة بأن معظمهم يرفض هذا الفعل المشين». البيان