منذ تفجّر الانتفاضة الأوكرانية قبل نحو أسبوعين، كان السؤال المسيطر على المتابعين هو: ما هو مستقبل أوكرانيا؟
الأحداث سارت بسلاسة غير متوقّعة، وسط صمت روسي محيّر حتى يوم الأحد الماضي الذي شهد ولادة أول ردود الفعل الروسية، والتي ارتكزت على الترهيب الاقتصادي، على لسان رئيس الوزراء ديمتري مدفيديف، لترتفع الوتيرة تدريجياً حتى وصلت الذروة يوم الأربعاء الماضي بطلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من قيادة الجيش إجراء تدريبات لاختبار الاستعداد القتالي للقوات الروسية في وسط وغرب روسيا، حيث أوكرانيا على بعد كيلومترات معدودة.. ثم جاءت المواجهات بين مؤيدي كييف ومؤيدي موسكو في منطقة القرم لتنبئ بأنّ شرارة الصراع العرقي قد انطلقت.
تقسيم أوكرانيا هو أحد السيناريوهات الواردة، مع أنّ كثيرين يستبعدون ذلك في الأمد القريب، لكنه أمرٌ حتمي في ظل الانقسام الحاصل، والذي قد يتسارع في حال دخلت أطراف أخرى على الخط لتحقيق مصالح خاصة من بينها دفع روسيا إلى المغامرة العسكرية.
وبلا شك أنّ الوضع معقّد جداً، والانقسام بات أمراً واقعاً، والتقسيم مسألة وقت، وقد يشعل فتيله أي اختبار للقوة من جانب روسيا أو الغرب. كما أنّه من المستبعد أن يبقى الوضع قيد المراوحة لأمد بعيد. وهناك العديد من التحليلات التي ترصد مواجهة روسية أميركية قادمة لا محالة في ضوء التوتر الناشب بين واشنطن وموسكو على أكثر من جبهة، ومنها الجبهة السورية، حيث يبدو واضحاً أن التنسيق الذي تشكّل من العاصمتين في أكتوبر الماضي وصل إلى الصفر.
من مصلحة روسيا رؤية أوكرانيا غير مستقرة، كما أنّ من مصلحة الولايات المتحدة الأميركية إلهاء الروس في قضية تعتبر قضية أمن قومي، وقد تكون ورقة للمساومة.
ومن هنا يمكن ملاحظة الموقف الحذر الذي انتهجته الإدارة الأميركية، والتصريحات المقتضبة التي صدرت عن إدارة باراك أوباما في هذا الصدد. وكذلك الموقف «المضطرب» روسياً، فمدفيديف لوّح بعصا الضغط الاقتصادي، وبوتين استخدم «الترهيب» العسكري، بينما وزير الخارجية سيرغي لافروف يمضي وقته على خطوط الهاتف الساخنة مع عدد من العواصم الغربية وبخاصة برلين ولندن، لـ«إنقاذ» اتفاق 21 فبراير بين الرئيس فيكتور يانوكوفيتش والمعارضة لتمهيد انتقال السلطة بأقل قدر من الأضرار.
ورغم أنّ موسكو لم تبد تمسّكاً بيانوكوفيتش وانتظرت 72 ساعة قبل أن تلجأ إلى لغة الترهيب، فإنّها لا يمكن أن تتساهل في موضوع منطقة القرم، حيث يتمركز الجزء الأهم من الأسطول الروسي (في ميناء سيفاستوبول على البحر الأسود)، والتي استأجرتها حتى العام 2042، والتي يرى مراقبون أنّها بمثابة الشريان للقوة البحرية الروسية.
وإذا كان ميناء طرطوس السوري على البحر الأبيض المتوسط جعل موسكو تقف بوجه المجتمع الدولي دعماً لحليفها بشار الأسد فإنّها لن تمانع في المواجهة للحفاظ على إطلالتها على البحر الأسود..
ومن منطلق هذه الحقيقة يمكن فهم الحذر الأميركي، كما يمكن فهم الانفعال الروسي الذي كشفته أوامر بوتين لتحفيز الجهوزية العسكرية. وعلى أي حال، لم تبد موسكو تشبثاً بيانوكوفيتش، وهذا ما ظهر خلال الثمانية أيام الماضية، ولكنها بالتأكيد لن تساوم على القرم، وقد تجد الفرصة مواتية لتصحيح خطأ دام 60 عاماً ارتكبه الزعيم السوفييتي الأوكراني نيكيتا خروتشوف الذي اقتطع القرم من روسيا وضمّها إلى أوكرانيا.