رجعت الأزمة السورية إلى حيث بدأت: إلى الميدان. لا إطلاق النار توقف ولا المساعدات الإنسانية تيسّر سبيلها ولا الصيغة الانتقالية جرى بحثها، فضلاً عن أنه لا موسكو تعاونت ولا الرئيس السوري بشار الأسد «أعاد النظر بحساباته» كما كانت تأمل بل تتوعد إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما. في ضوء ذلك، ثمة إجماع في واشنطن بأن المرور في الميدان بات الطريق الإجباري لإحياء جنيف، الذي لايزال الخيار الأساسي للإدارة الأميركية. وهذا العبور مرهون هو الآخر بعثور أوباما على صيغته العسكرية، التي يبدو أنه وضع مواصفات سحرية لها. فقد طلب مراراً وتكراراً تزويده «بالخيارات البديلة» والتي عرضها عليه المخططون العسكريون والمراجع الاستخباراتية المعنية. وفي كل مرة كان إما يرفضها وإما يبدي تحفظاته عليها.
من حيث المبدأ، الرئيس منسجم مع خطه الرافض لأي تورط اميركي في الخارج. وتحظى سياسته هذه بدعم نوعي في أوساط خبراء السياسة الخارجية كما في الكونغرس. لكن تفاقم الأزمة، السياسي والإنساني وما تنطوي عليه من «تهديد لمصالح أميركا في المنطقة»؛ فرض العودة إلى ملفها ومطالبة الإدارة من جانب دوائر أميركية نافذة، بوجوب «التخلي عن سياسة التفرّج» والقيام بتحرك ما للحيلولة دون المزيد من الانكشاف وبالتالي من الاستضعاف الإقليمي والدولي وبما يعزّز «المكاسب الروسية والإيرانية» في المنطقة.
حيرة مربكة
عودة الأزمة إلى دائرة الضوء بهذه القوة، وضعت البيت الأبيض في حيرة مربكة. من جهة، ما عاد بإمكانه تجاهل المشكلة والمراهنة على شراء الوقت، خاصة بعد انهيار جنيف وتدهور الوضع الإنساني الداخلي بشكل مريع. ومن جهة ثانية، باتت العودة إلى الخيار الدبلوماسي المفضّل بالنسبة للرئيس أوباما، تشترط تعديل ميزان القوة على الأرض بشكل أو بآخر، حسب ما تجمع عليه التقييمات والقراءات. حتى الإدارة تعترف ولو مواربة بهذه الحقيقة. جنيف 2 بصيغته وظروفه، مضى. «لا موعد ولا من جديد حوله»، يقول مسؤول في الخارجية في ردّه على سؤال «البيان». في العادة يقولون إن الاتصالات جارية بشأنه. هذه المرة ينمّ الجواب عن نعيه. فالاعتقاد السائد في واشنطن أن دمشق لن تفاوض على الصيغة الانتقالية طالما بقيت صاحبة اليد الطولى ميدانياً. لكن مأزق البيت الأبيض يكمن في كيفية تحقيق التعديل المطلوب لهذه المعادلة. فالرئيس لا يرضى بأي إجراء مرشح للتطور إلى توسيع الدور الأميركي. عقدة التورط وتداعياتها، متحكمة بمقاربته للأزمة. مع أنه حسب التسريبات الأخيرة، تقدّمت له بدائل نوعية تعفيه من خطر الانزلاق إلى تدخل مباشر. منها استخدام القدرات المتاحة لما يسمى بالحرب الفضائية التي تشلّ أجهزة الرادارات والدفاعات الجوية مع تعطيل شبكات الاتصال بين القيادة والعمليات وبما يؤدي إلى شلّ قدرات الطيران السوري أو حتى «توجيه ضربة» جوية له لإخراجه من المعادلة باعتباره أداة التفوق الميداني الرئيسية كما يقول الخبراء. لكن الرئيس رفضها. خشي منها «كسابقة» قد تشجع الآخرين على تعميم استخدامها. كما رفض التلويح بالقوة لو تواصلت العمليات العسكرية. ورطة «الخط الأحمر»، لاتزال ماثلة ولا نية لدى البيت البيض لتكرارها. وكان ولايزال قد رفض خيارات «التسليح الفعّال» للجيش الحرّ ومنطقة الحظر الجوي.
اللون الرمادي
في أحسن الأحوال، بقي في حدود اللون الرمادي في هذا الخصوص؛ حيث تردّد مؤخراً أن إدارته وافقت على تسليح «نوعي بواسطة آخرين والسماح لهم بتسليم القوى المعتدلة في المعارضة السورية مضادات جوية محمولة على الكتف». وذكرت معلومات منسوبة إلى جهات رسمية بأن النتائج ستظهر قريباً على الأرض. لكن الخلافات التي نشبت في صفوف الجيش الحرّ، أربكت عملية التسليم مؤقتاً.
موقف ثابت
ما لا جدال فيه أن الرئيس أوباما لم يغادر موقفه الزئبقي من سوريا. كان يستعمل مساحيق جنيف لتلميعه. انهيار المؤتمر حرمه من ذلك وأثار الكثير من الردود الناقمة التي تصف سياسته بأنه تتراوح بين السذاجة «المراهنة على جنيف» والهروب «الاستمرار في طلب البدائل»؛ ولو أن ثمة من يضعها في خانة «الصواب والحكمة». في حسابه أن النووي الإيراني ملف استراتيجي وليس سوريا. الاستثمار يصحّ في الأول. المدرسة التقليدية في واشنطن توافقه. لكن تعاظم خطر الصراع في سوريا قد ينقل الأزمة إلى خانة التهديد الإقليمي وربما الدولي وبما يجبر البيت الأبيض على تجاوز سياسة النأي بالنفس. خاصة وأن تجربة الكيماوي قد تفرض عليه معاودة التلويح بخيار القوة. بخلاف ذلك، لا يرى المراقبون سوى استمرار النزيف. ويبقى السؤال: إلى متى؟.