شرقاً اتـجهت بوصلة المملكة العربية السعودية أملاً في شراكة فاعلة تعزّز العلاقات مع آسيا وتستفيد من خبرات متنوّعة، فيما تأكيد دبلوماسية التوازن بين قوى العالم الرئيسية ولاعبيه الدوليين بما يحقّق المصالح، معانٍ ومرامٍ تعبّر عنها زيارة ولي العهد الأمير سلمان بن عبدالعزيز، فيما اقتربت زيارة يعتزم الرئيس الأميركي باراك أوباما القيام بها إلى المملكة العربية السعودية في وقت لاحق.
وأكّد خبراء ومحلّلون سياسيون في تصريحات لـ «البيان» أنّ «جولة الأمير سلمان بن عبد العزيز إلى كل من باكستان واليابان والهند والمالديف تهدف لتعزيز العمق الاستراتيجي للمملكة في دول جنوب شرق آسيا وحماية الأمن الإقليمي والمصالح السعودية في ظل تزايد المخاطر في المنطقة»، مشيرين إلى أنّ «المحادثات السعودية مع قادة الدول الأربع ستعزز ايضا العلاقات التجارية والاستثمارية، فضلا عن بحث الملفات السياسية الساخنة في المنطقة كملف الإرهاب والقضية الفلسطينية والوضع في سوريا والعراق.
استراتيجية توازن
وشدّد أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك سعود وعضو مجلس الشورى السابق د. طلال ضاحي، على أنّ «جولة الأمير سلمان بن عبد العزيز الآسيوية تؤكد استراتيجية ممتدة تقوم على التوازن في العلاقات الدولية بما يحقّق المصالح العليا للمملكة ولخدمة القضايا العربية والإسلامية»، مشيرا إلى أنّ «هذا التوجّه ليس جديداً إذ قام خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز عندما كان ولياً للعهد بعدة جولات خارجية شملت دول جنوب شرق آسيا ووقعت خلال تلك الجولات العديد من الاتفاقيات الثنائية التي عادت بفوائد كبيرة على المملكة».
ولفت ضاحي إلى أنّ «المملكة تنظر إلى الدول التي يزورها ولي العهد كعمق استراتيجي تسهم بما لديها من خبرات متنوّعة وتكنولوجيا متقدّمة في استكمال مسيرة المملكة التنموية التي تشهد الآن مشاريع تنموية وصناعية عملاقة تتطلّب التعرّف والاستفادة من خبرات الدول الشقيقة والصديقة»، مبيّناً أنّ «المملكة تسعى لترسيخ الاقتصاد كعامل مهم في علاقاتها لبناء مصالح مشتركة».
واستطرد ضاحي: «السعودية شأنها شأن بقية دول العالم من حقها البحث عن مصالحها الوطنية وهو ما يستوجب توجيه بوصلتها شرقا وغربا دون أن يكون أحدهما على حساب الآخر، بل يكون التحرّك وفقا لما تقتضيه مصالح البلاد العليا ومصالح الأمّة العربية والإسلامية التي يمثّل الاهتمام بها وصيانتها أهم مرتكزات الدبلوماسية السعودية».
استقلالية قرار
من جهته، وصف المحلّل وعضو مجلس الشورى السعودي السابق محمد آل الزلفة جولة الأمير سلمان بن عبد العزيز الآسيوية بأنّها تمثّل مرتكزاً مهمّا في علاقات المملكة الدولية، ودليل تحرّك السعودية بإرادتها وحسب مصالحها، بما يؤكّد استقلالية قرارها السياسي ويعزّز واقعيتها السياسية في التعامل مع المعطيات الجديدة.
وأضاف آل الزلفة أنّ «التوجّه السعودي نحو الشرق لا يلغي العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ودول الغرب، بقدر ما أنّه أفق مهم يفتح خيارات متعدّدة ويبني مصالح جديدة مشتركة»، مشيرا إلى أنّ «الرياض تتحرّك وفقا لمصالحها الوطنية وتفعيل خريطة طريق تعزّز الشراكة الاستراتيجية بين المملكة وهذه الدول».
وأردف عضو مجلس الشورى السابق أنّ «السعودية التي ساعدت مصر في التغلب على مشكلاتها الاقتصادية والسياسية ستعمل على مساعدة باكستان في التغلب على مصاعبها»، مشيراً إلى أنّ «الرياض تعتبر إسلام اباد شريكاً مهمّاً في مكافحة الإرهاب وأنّ انسحاب القوات الدولية من أفغانستان نهاية العام الجاري، يستوجب احتواء الفراغ الذي من المتوقع أن ينتج».
ملفات منطقة
بدوره، أكّد الكاتب والمحلل السياسي حسن الأهدل، أنّ «جولة ولي العهد ستكون فرصة للاستماع لوجهة نظر المملكة حيال تطوّرات الأوضاع في المنطقة، لاسيّما ملف الإرهاب وما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وأزمة سوريا والملف النووي الإيراني وقضية فلسطين»، لافتاً إلى أنّ «نتائج مهمة ستتمخّض عن هذه الجولة لا تنحصر في تعزيز الشراكة فقط وإنما تعزيز التعاون السياسي والأمني والاقتصادي المشترك».
وأضاف الأهدل أنّ «السعودية خبيرة بالمنطقة وتعرف متى تتحرك وفي أي اتجاه وتدرك مدى خطورة الأوضاع، ما يجعلها لا تتحرج من إبداء وجهة نظرها بوضوح وشفافية إزاء قضايا الأمة في أي دولة من دول العالم شرقاً أو غربا»، مشيراً إلى أنّ «المملكة ستستمر في مساعيها تجاه حل كل قضايا المنطقة وأبرزها القضية السورية بما يتماشى وثوابتها السياسية».
سلمان بن عبد العزيز في اليابان ويلتقي كبار مسؤوليها اليوم
وصل ولي العهد السعودي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير سلمان بن عبد العزيز إلى العاصمة اليابانية طوكيو، وكان في استقباله بمطار «هانيدا» ولي العهد الياباني الأمير ناروهيتو، وعدد من المسؤولين.
يذكر أن الأمير سلمان قد وصل إلى اليابان، بعدما أنهى زيارته إلى باكستان، التي استغرقت ثلاثة أيام، تم خلالها توقيع عدد من الاتفاقيات، إضافة إلى بحث تعزيز العلاقة بين البلدين وسبل دعمها، وبحث المستجدات والتطورات على الساحتين الإقليمية والدولية.
وكان في وداعه في مطار قاعدة شقلالا، رئيس الوزراء الباكستاني محمد نواز شريف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الباكستانية الفريق أول ركن رشاد محمود، وقائد الجيش الباكستاني الفريق أول ركن رحيل شريف، وقادة القوات الباكستانية، إضافة إلى عدد آخر من المسؤولين.
ومن المقرر أن يلتقي الأمير سلمان اليوم إمبراطور اليابان أكيهيتو، ورئيس الوزراء شينزو آبي، كما ستشهد الزيارة الرسمية، التي تستغرق أربعة أيام توقيع عدداً من اتفاقيات التعاون المشترك بين البلدين. وتعتبر العاصمة اليابانية طوكيو ثاني المحطات في جولة ولي العهد السعودي الآسيوية، التي استهلّها بزيارة العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وتقوده في وقت لاحق إلى كل من الهند والمالديف.
استثمار علاقات
أبان الكاتب والمحلل السياسي الأهدل أنّ «الدبلوماسية السعودية تتجه لاستثمار علاقاتها الدولية مع القوى الاقتصادية الرئيسية في العالم من أجل تنمية الداخل»، موضحاً أنّ «دول جنوب شرق آسيا تكتسب أهمية كبيرة للدبلوماسية السعودية كونها تضم تنظيمات إقليمية مهمة مثل رابطة دول جنوب شرقي آسيا «آسيان» ورابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي «السارك» ومنظمة التعاون الاقتصادي «الأيكو».
