دخل لبنان مدار العمل الحكومي تحت شعار حكومة المصلحة الوطنية، والتي جمعت عناصر الدعم المبدئي لانطلاقتها، بعدما أنتجت مشاركة سياسية توافقية جامعة، حيّد حزب «القوات اللبنانية» نفسه عنها، فيما أعيدت الرئاسة الثالثة إلى العاصمة الأولى بيروت بعد غياب استمرّ عقدين وعامين، فهي في مواجهة جملة من التحديات أهمها الانتخابات الرئاسية ومكافحة الإرهاب ومعالجة ملف النازحين السوريين، بما يشبه إعلان نوايا ومسودة البيان الوزاري للحكومة التي يفترض ألا تعيش أكثر من ثلث المدة التي استغرقتها مدّة التأليف.
وبعدما شاب مرحلة التأليف ما شابها من تناقضات وتجاذبات، أصبح السؤال عما إذا كان تأليف حكومة الرئيس تمام سلام سيؤدّي الى الإطاحة بكل العقبات السياسية وغير السياسية التي منعت تشكيل الحكومة لما يزيد على 10 أشهر، أم أن تلك العقبات ستنتقل أوتوماتيكياً للحكومة بعد تأليفها، وتحديداً على مستوى البيان الوزاري وأولويات العمل الحكومي المقبل، ومن ثم الممارسة الحكومية.
ذلك أن التأليف شكّل خطوة على طريق «الألف ميل» في اتجاه استكمال مقوّمات الحكومة وركيزتها الأساسية، باعتبار أن الاختبار الأصعب يتمثل بالبيان الوزاري الذي سيؤمّن التوافق حول النقاط الساخنة، وفي مقدّمها المعادلة الثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة». علماً أن استكمال رحلة البحث عن المخارج رُحّل الى ما بعد تشكيل اللجنة الوزارية، المرتقب غداً، في أول جلسة لمجلس الوزراء لإعداد البيان الوزاري.
منظومة صلبة
وفي انتظار البيان الوزاري ومن ثم ثقة المجلس النيابي بحكومة الرئيس سلام، يقول معنيّون بالطبخة الحكومية التي جرى إنضاجها إنه يفترض أن يشكل التأليف حافزاً لبناء منظومة تؤمن نجاح الحكومة الجديدة، وبالتالي مصلحة كل مكّون من مكونات الحكومة، ولو كلا على حدة.
والى أن تبدّد الحكومة الجديدة مشهد المعارك السياسية القاسية التي سبقت ولادتها طوال أشهر خلت، وخصوصاً لجهة فصل لبنان عن أزمة المنطقة والتصدّي للإرهاب، أشارت مصادر سياسيّة معنيّة الى الكلمة التي ألقاها الرئيس تمام سلام، فور تشكيل الحكومة، وما تضمّنته من تأكيد التصدّي لكل أنواع الإرهاب والتبشير بتذليل العقبات من طريق الانتخابات الرئاسيّة في مايو المقبل، باعتبار أن الفراغ الحكومي يشكّل مدخلاً للفراغ في رئاسة الجمهورية، إذ أكد قدرة حكومته على التمهيد لإجراء هذه الانتخابات، استنادا الى أن جميع العناصر الدستورية والقانونية والتمثيلية متوافرة فيها، بما يخلق مناخات إيجابية للحوار الوطني تؤمن الأجواء المناسبة للانتخابات الرئاسية في موعدها وإقرار قانون جديد للانتخابات التشريعية.
الرهان على البيان الوزاري
وفي السياق، وبعدما أضحت حكومة سلام أمراً واقعاً وحقيقة دستوريّة مجسّدة في صورة تذكاريّة، فإن ثمّة أسئلة كثيرة تطرح حول هذه الحكومة وعنها، أبرزها: إذا كان توزيع الحصص استلزم أكثر من عشرة أشهر من التجاذبات بين القوى السياسية المختلفة، فكم سيستلزم التوصّل إلى بيان وزاري تجتمع حوله المكوّنات السياسية للحكومة الجديدة؟
تجدر الإشارة الى أن الحكومة الجديدة، إذا عمّرت، فإنها لن تعمل بشكل طبيعي إلا حوالي 100 يوم، بحيث ينتهي عمرها مع انتهاء ولاية رئيس الجمهورية ميشال سليمان في 25 مايو المقبل، لتتحوّل بعد ذلك تلقائياً الى حكومة تصريف أعمال. وعندها يتقرّر مصيرها في ضوء مسار الانتخابات الرئاسية، حيث يبقى الاحتمال الأكثر رجحاناً حتى الآن هو الفراغ الرئاسي.
10 أشهر من الفراغ
وكان لبنان استمرّ «معلّقاً»، عشرة أشهر ونصفا، على تكليـــف (6 أبريل 2013) ومســـار تأليف، تبدّل شكله من الحياد إلى الأمر الواقع، إلى أن فرض الواقع حكومة جامعة. تبدّلت الأسماء على مدى أشهر، تعدّلت الحقائب، تغيّرت الحسابات والرهانات، تفاقمت الاستحقاقات وتزاحمت الأولويات، ربِط مصير البلد بما في الإقليم من ملفات، ورفِعت الشروط واللاءات، أما النتيجة، فكانت حكومة سياسية ميثاقية.
ورغم المساحة الزمنية لعمر الحكومة، لكن مؤشرات ولادتها جاءت أوسع من حدود خريطة توزيع الوزارات بالتوازي بين قوى 8 و14 آذار والمستقلّين، وعادت الكتلة الوسطيّة لتلعب دور الميزان المانع لرجحان كفّة فريق على آخر. ذلك، أن هناك استخفافات ستتوالى قريباً، بدءاً من انتخابات رئاسة الجمهورية ووصولاً الى صوغ قانون جديد للانتخابات النيابية.
ترحيب دولي
رحب أمين عام منظمة الأمم المتحدة بان كي مون وأعضاء مجلس الأمن الدولي بإعلان تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة للاستجابة بشكل فاعل للتحديات السياسية والأمنية والإنسانية العديدة التي تواجه البلاد مهنئين تمام سلام رئيس الوزراء بهذا الإنجاز.
وأعربوا في بيانين لهم عن تطلعهم لانخراط الحكومة البناء مع المجتمع الدولي خاصة مع مجموعة الدعم الدولية المعنية بحشد الدعم للبنان مطالبين القادة السياسيين في لبنان بضمان نجاح إجراء الانتخابات الرئاسية في الإطار الزمني الذي حدده القانون.
وشددوا على أن التطبيق الفعال لقرار المجلس رقم (1701) والقرارات ذات الصلة مازال أساسيا لضمان استقرار لبنان مؤكدين الحاجة للتمسك بالتقليد الديمقراطي قديم العهد في لبنان وخاصة ضمان إجراء الانتخابات الرئاسية في إطار العمل الدستوري. وأشاروا إلى البيان الرئاسي الذي أصدره المجلس في 10 يوليو 2013 حيث ناشد جميع اللبنانيين المحافظة على الوحدة الوطنية في مواجهة محاولات تقويض الاستقرار في البلاد. وام