أزمة الأنبار العراقية، التي بدأت في ديسمبر الماضي، لم تظهر حتى الآن أي بوادر لحلها في ظل ضبابية تسود الموقف هناك مع تعتيم إعلامي على ما يدور على الأرض من اشتباكات وقصف وخسائر يتكبدها الجيش والمسلحون، خاصة مع قطع للاتصالات والإنترنت وحتى الكهرباء في غالبية المناطق التي تدور فيها المعارك.

ومن الجهة الأخرى هناك خلط للأوراق، فمرة يقال إن القتال يدور بين قوات الجيش العراقي وعناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» وتنظيم القاعدة، وفي الأخرى يقال إن الحرب تدور بين القوات العراقية ومسلحي العشائر، وعندما تطرح مبادرة للحل يكون أحد بنودها إلقاء المسلحين لسلاحهم ودمجهم في القوى الأمنية، ما يجعل المتابع يحار في طبيعة ما تسمى «العملية الأمنية» في الأنبار، فهل هي ضد «داعش» و«القاعدة»، كما أعلن عند اللحظات الأولى لانطلاقها، أم هي ضد مسلحي العشائر من أبناء المحافظة؟

وفوق كل ذلك ان «العملية الأمنية» لم تجهز حتى الآن على التنظيمات الإرهابية أو تطردها إلى خارج العراق، ولم تستطع أن تضع حداً لسفك الدماء في المحافظة، بل خلقت وضعاً إنسانياً مروّعاً حمل غالبية أهالي الفلوجة على النزوح عن مدينتهم، وحصدت أرواح مئات الأبرياء في ظل قصف عشوائي يستهدف مدنيين آمنين لا ناقة لهم في ما يدور ولا جمل.

نصر وهمي

وبعد كل هذا يخرج رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ليعلن «النصر» في الأنبار، أي نصر هذا والمعارك حامية الوطيس لا زال يدور رحاها، والمقاتلون المدججون بالسلاح من «داعش» و«القاعدة» لا يزالون يسيطرون على مدن كاملة في المحافظة، وأحياء في الفلوجة والرمادي الاستراتيجيتين، مع معلومات تشير إلى مقتل 350 وفقدان 600 من الجيش والقوى الأمنية العراقية، إلى جانب وقوع 300 مدني ضحايا في القصف والاشتباكات، مع عدد غير محدد من المسلحين الذين يعلن الجيش بين فترة وأخرى عن قتل العشرات منهم، هذا فضلاً عن الدمار الذي طال مناطق بأكملها خاصة في الفلوجة والرمادي.

كما طفت معلومة لا يمكن معرفة مدى صدقيتها تشير إلى خسارة الجيش العراقي لثلث قواته الجوية في معارك الأنبار وصحرائها الشاسعة، لكن يبقى ذلك مجرد تكهنات ما لم تكن هناك إحصائية دقيقة للخسائر، مع أن ذلك مستبعد في ظل التعتيم على الخسائر، والكشف عن «البطولات» فقط.

استمالة العشائر

ومع ذلك كان يمكن لرئيس الوزراء نوري المالكي كسب ود العشائر واستمالتها إلى جانبه في حربه ضد الجماعات الإرهابية لو أنه تصرف بحكمة في ملفي الاعتصامات المناوئة للحكومة واعتقال النائب عن محافظة الأنبار أحمد العلواني، لكن الطريقة التي اعتقل بها النائب، حيث كانت أقرب إلى المليشياوية، مع انتهاك حرمة بيته وقتل شقيقه وخمسة من حراسه، جعلت المحافظة بأكملها ناقمة على المالكي وحكومته وحتى الجيش وقوى الأمن بشكل عام، وعمّقت الاصطفاف الطائفي في المحافظة، بعد أن كانت ناقمة أصلاً إثر تجاهلها من قبل الحكومة.

تغييب «البرلمان»

 

أكد نواب وأعضاء في لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب العراقي، أن التعتيم الذي تمارسه الحكومة على ما يجري في الأنبار، يثير غموضاً واسعاً ويعرقل الحلول السلمية للأزمة، ولم يستبعدوا الأنباء التي تتحدث عن سقوط المئات من القتلى والمفقودين في صفوف القوات العراقية كون المعركة غامضة وتسير من دون حسم. ولفتوا إلى أن الإعلام الحكومي من جهة وبيانات المسلحين و«داعش» لا يمكن الركون إليها لأنها أطراف في النزاع، مؤكدين أن مجلس النواب العراقي والكتل السياسية لا يعلمون بتفاصيل ما يجري في محافظة الأنبار.