الشلل في موقف إدارة الرئيس الأميركي اوباما تجاه الأزمة السورية يشبه إلى حدّ بعيد الشلل الذي ضرب العاصمة الأميركية جراء العاصفة الثلجية. الفارق أن الضيف الأبيض الثقيل فرضته الطبيعة وأقفل المدينة مؤقتاً. فيما الشلل الثاني صنعته السياسة المرتبكة وهو باق كالأزمة لأمد غير قصير، حسب ما تشير المعطيات. وإذا كان قد بقي شيء من أمل في واشنطن بجنيف 2، فقد تبدّد في ضوء ما صدر عن البيت الأبيض كما عن أجواء الجولة الثانية من المفاوضات - المناورات في العاصمة السويسرية.

الإشارات الأميركية حول ضآلة إن لم يكن عدم جدوى التوجه الراهن، تتوالى منذ فترة. خاصة بعد افتتاح المؤتمر. لكن في اليومين الأخيرين بلغت أوضح تعبيراتها وعلى لسان الرئيس اوباما نفسه، الذي كاد أن يقول بأن سياسته السورية أفلست وليس في اليد بديل. اعترافه بحالة «إحباط هائل» وبأن إدارته «تواصل البحث عن سبيل ممكن»، ينطق بذلك. لم يقل السبيل الفعّال، المفترض أن يكون هو المطلوب في هذه الحالة. فقط «الممكن». إشارة إلى أن واشنطن ليست في وارد القيام بنقلة نوعية في تعاملها مع الأزمة، رغم اعتراف الرئيس بأن ما يجري «يجعل سوريا احدى اهم أولوياتنا المتعلقة بأمننا القومي»؛ واعتراف رئيس وكالة الأمن القومي جيمس كلابر، بأن الحاصل «كارثة مروعة».

الخط الأحمر

في ظلّ هذه الضبابية، عادت سيناريوات ما قبل «الخط الأحمر»، إلى التداول: تسليح المعارضة «المعتدلة »، فرض منطقة عازلة لأغراض التدريب، التهديد بخيار القوة لتمرير المعونات الإنسانية، أو إذا رفض النظام فك الحصار عن المدنيين في بعض المناطق. الخارجية الأميركية تزعم بأن «كل الخيارات على الطاولة». يتردّد أن الوزير كيري، الذي كان أول من تحدث بلغة الفشل، يحاول حمل الرئيس على اعتماد «سياسة نشطة أكثر» إزاء سوريا. نجاح محاولته موضع شك كبير.

الرئيس باتت مقارباته محكومة بعقدة التورط. الآن يجري تصويب الإدارة على اثنين: استصدار قرار من مجلس الأمن بخصوص المعونات والحصارات. ثانياً تكثيف الحديث عن خطر تحول سوريا إلى مأوى كأفغانستان للقاعدة وملحقاتها. بذلك هي تؤسس لتحالف دولي يمكن البناء عليه لاحقاً. لكن نقطة الضعف هنا، أن البيت الأبيض لا يبدو جاداً. «نحن نعمل على خط مجلس الأمن بموازاة جنيف»، كما قالت الناطقة الرسمية في الخارجية في ردها على سؤال «البيان» عما إذا كان لدى الإدارة خطة بديلة لو فشل المجلس بأخذ القرار المطلوب.

على المحك

الإدارة تخشى السير باتجاه ما يمكن أن ينتهي بها إلى حالة تضعها مرة أخرى على المحك. فضيحة «الخط الأحمر» ما زالت ماثلة أمامها. لا يتحمّل اوباما تكرارها. وفي مجلس الأمن تقف له موسكو بالمرصاد. وسارعت إلى إجهاض مثل هذا التحرك، من خلال طرح مشروع قرار مقابل، يؤكد على الارهاب بقدر تأكيده على المعونات. كما من المتوقع أن تتحرك على خط جنيف، من خلال حمل دمشق على قبول التفاوض في مشروع الـ 24 نقطة الذي قدمته المعارضة، طالما أنه لا يأتي على سيرة تنحي الرئيس الأسد. وهذا ما يتفق مع التفسير الروسي لـ«جنيف1». ولا يستبعد أن تكون الدبلوماسية الروسية لعبت دوراً في ترتيب صياغة هذا المشروع. بالأحرى في تفخيخه وبما يفسح المجال للدخول في مفاوضات ترمي لشراء الوقت بقدر ما تهدف إلى تعطيل دور مجلس الأمن وإخراجه حتى من الجانب الإنساني للأزمة. فموسكو تريد إبعاده عن الملف كي لا تجد نفسها مضطرة لاستخدام الفيتو الذي قد يتسبب لها بالكثير من الإحراج.

غياب الأمم المتحدة

بكل حال الأمم المتحدة مغيّبة، وجودها في قاعة المفاوضات رمزي، الابراهيمي قيل إنه على شفير رفع العلم الأبيض وأن وندي شارمن معاونة وزير الخارجية كيري، طلبت منه الاستمرار في مسعاه، والمتفاوضين مرسومة لهم أدوارهم في حدود الأداء، الخلاف حول بنود جدول الأعمال بين طرفي مائدة التفاوض، يعكس احتدام الصراع بين اللاعبين الإقليميين والدوليين فوق المسرح السوري. القرار صار كله بيدهم، في آخر النهار، لا حلحلة إلاّ بجلوس هؤلاء في القاعة مكان المتفاوضين السوريين للاتفاق على صياغة مخرج، في غياب ذلك تبقى الاوضاع في سوريا مفتوحة على «مأزق مديد»، كما قال كلابر في إفادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ.