بُعيد مباشرته مهامه قبل حوالي عام، قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري إن واشنطن جاءت متأخرة إلى التسوية السياسية في سوريا. أمس، في دردشة مع دافيد اغناتشيوس، أحد كبار المعلقين في جريدة واشنطن بوست؛ لم يأت على ذكر «جنيف2» واحتمالاته، مع أن الجولة الثانية من المفاوضات تعقد اليوم الاثنين، ولا بدّ أنه سئل عن الموضوع، بحكم التوقيت على الأقل. لكنه آثر أو طلب تجاهله. وكان قبل أيام قد نسب إليه القول بأن السياسة الأميركية المعتمدة حيال الأزمة السورية تسير باتجاه «الفشل».
كلام كيري الصريح لا تكتمل أهميته إلاّ إذا ترافق مع العزم والقدرة على التصحيح. لكن ذلك غير وارد، على ما يبدو حتى الآن، في حسابات الإدارة. فالتركيز في خطابها عشية الجولة الثانية، يدور أساساً حول بندين: تمرير المساعدات الإنسانية للمدنيين السوريين المحاصرين واستكمال شحن الأسلحة الكيماوية بحراً إلى الخارج. وبين الاثنين يتحدث المسؤولون عن بند الحكومة الانتقالية الوارد في «جنيف1» كأساس مفترض للمؤتمر الجاري.
استنجاد بموسكو
في المعونات و«الكيماوي»، استنجدت إدارة أوباما بموسكو. حصلت حلحلة بشأنهما. كلاهما بقي مرشحاً للتعثر والتحول إلى مشكلة متجدّدة تحتاج في كل مرة إلى الاستعانة بالكرملين لمعالجتها وبما يكفل إزاحة «جنيف2» عن سكّة غرضه المركزي في التوصل إلى إقامة تركيبة حكومية تتولى نقل السلطة إلى نظام جديد. المبادرة في هذا الخصوص جرى الالتفاف عليها في الجولة الأولى، من خلال إصرار الوفد الرسمي على موضوع محاربة الإرهاب، وبما يعطيه الأولوية في التفاوض. مع أنه الفرع وليس الأصل. ثمة خلل في آليات المؤتمر سمح بتحييده، في الجلسة الأولى عن غايته الأصلية. الحاجة إلى عقده من دون حسم الخلاف مع موسكو على تفسير «جنيف1»، فسحت المجال في حرف المفاوضات عن الجوهر. وفي اعتقاد المراقبين أن ذلك أسّس لجعل الجولة الثانية مكمّلة للأولى ومواصلة الجدل، وبالتالي الخلاف حول أولويات المفاوضات وبما يؤدي إلى إغراقها في المماحكة والمراوحة، بحيث تتحول إلى «عملية» مفتوحة، مثل عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية؛ مع ما يرافقها من انهيارات وإعادة ترميم لتركها على قيد الحياة أو ما يوحي بذلك.
استقالة فورد
وتعزّزت مثل هذه القراءات بإعلان السفير الأميركي روبرت فورد عن عزمه على ترك منصبه في آخر الشهر الجاري. فهو المشرف والمدير المباشر للملف السوري منذ بداية الأزمة. كما أنه الأكثر معرفة بالساحة السورية، في شقيها الموالي والمعارض ويتقن العربية بطلاقة. أشرف على هندسة العلاقات مع أطراف المعارضة و«الجيش الحرّ» وعمل على التقريب بين فصائلها التي تربطه بها علاقات قوية لعبت دوراً في حملها أو دفعها إلى المشاركة في «جنيف2». في المدة الأخيرة بعد استدعائه إلى واشنطن أواخر 2012، كان أقرب إلى السفير لدى المعارضة.
صورة غير مشجعة
عندما يتخلى مسؤول عن مهمة في هذا الموقع والدور وعند لحظة مفصلية من الأزمة السورية، عندئذ تكون استقالته إما احتجاجية وإما استسلامية. وفي الحالتين، تعكس صورة غير مشجعة عن «جنيف2» ومآله. التوقيت زاد من ترجيح هذا الاحتمال. الخارجية الأميركية ردّت عندما سئلت، بشيء من التجاهل وكأنها مسألة روتينية. قالت إن السفير في طريقه إلى جنيف لمواكبة الجولة الثانية. وماذا تتوقع واشنطن من هذه الجولة؟ طرح موضوع الحكومة الانتقالية، كما تقول. لكن لا ضمان في ذلك ولا في أن تكون الجلسة هذه المرة مختلفة عن الأولى. التعويض يجري حالياً بضمان ما أمكن من المعونات للمدنيين السوريين. وهو أمر ضروري وعاجل. لكنه لا يزيد عن محاولة رفع العتب المتأخر في كل حال.