تكشف مدلولات المقاطع والصور والأرقام التي تنشر عن المدن والبلدات التي تتعرض إلى القصف الجوي والبراميل المتفجرة وجود تغير جذري يعصف ملامح الواقع العمراني المتعارف عليه في ذاكرة السوريين. وقد يختلط الأمر في ذات الوقت على السكان الأصليين أنفسهم الذين نزحوا عن ديارهم عنوة، حيث يجدون صعوبة بالغة في ملامسة هوية منازلهم وأحيائهم نظراً للتشوه والخراب الذي طال كل إشارة أو علامة محفورة في ذاكرتهم جراء أثار الدمار الهائل والركام المتكدس التي خلفتها البراميل المتفجرة والقصف الجوي النظامي بالدرجة الأولى.

أما النظام، فيواصل حملة الإبادة الجماعية ضد المدن الثائرة بمنوال لا يفرق بين بشر وحجر عبر إلقاء البراميل المتفجرة وهو اختراع الجيش النظامي ضد الأحياء المأهولة ما يؤدي إلى تهدم العمران بغرض تحويل البيئات الثورية المتمردة إلى أكوام من الركام. وهذا ما تكشفه معلومات رصدها ناشطون في بلدة داريا بريف دمشق الغربي والتي تعيش منذ أسبوع تحت قصف البراميل المتفجرة تؤكد فيها بأن ثلثي الأبنية والمنازل سويت بالأرض، وأنه من العسير من ترك داريا قبل أسبوعين من الآن أن يميز هوية المدينة. ويبدو أن هذا التصور الرهيب يفرد بظلاله بنفس السوية على أحياء حلب وريفها وبلدة الزبداني وتلك المدن في ريف حماه وإدلب وحمص التي تسحق على بكرة أبيها بفعل عشوائية البراميل المتفجرة.

محو المدن

ولعل الدوافع التي تقف خلف هذه العقلية المدمرة قد تستشف فحواها في تصريح نشره موقع الكتروني محلي على لسان ضابط كبير في الجيش النظامي، حيث يقول إن كل ما كان يقوم به الجيش النظامي من عمليات عسكرية في المدن التي ثارت ضد النظام «كانت شبيهة بتدريبات عسكرية بسيطة وأن الجيش لم يتحرك بعد بالشكل المطلوب». وأكد أن الجيش النظامي «حضّر وأصبح في الجاهزية الكاملة لمحو تلك المدن على وجه الأرض». فالضابط أوضح أن الخطة ستطبق على مدينة داريا وجزء من أطراف حمص «كبداية»، قائلاً إنه «لم يعد هناك داع لوجود هذه المدن أصلاً».

خطة «داعش»

وبموازاة ذلك، يسعى «داعش»، كما النظام، في تطبيق جوهر هذا النهج لكن بأسلوب مختلف، حيث قام في الآونة الأخيرة بتغيير اسم مدينة دير الزور التي تقع في شرقي البلاد إلى «مدينة الخير»، ثم استبدل اسم محافظة الحسكة الواقعة في شمال شرقي البلاد إلى «ولاية البركة». وبعد إحكام سيطرته على مدينة الباب بريف حلب الشرقي حولها إلى «ولاية المدينة المنورة».

ونقل ناشطون صورا تبين فيها أن مداخل المدن الرئيسية ودور العبادة والمؤسسات الخدمية والقضائية تتزين بأعلام «القاعدة» في كل بلدة تحط فيها ميليشيات تنظيم البغدادي أقدامها، فضلاً عن تزين الجدران ووسائل النقل بشعارات ورموز تعكس هوية التنظيم ونهجه. وعلى الرغم أن هذه الممارسات تثير سخطاً لدى الشرائح الاجتماعية كافة إلا أن إمكانية مقاومتها تنعدم تماماً كما في حملة البراميل المتفجرة.

فكر

يفسر الناشط الإعلامي رامي سويد الذي يعيش في مدينة حلب هذه التحولات التي تضرب تاريخ المدينة إلى تجليات لفكر لا يأتلف مع المكان الذي يحاول أن يفرض نفسه فيه.