خرج الصراع بين أنصار ولاية رئاسية رابعة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة ومعارضيها إلى العلن من خلال الاتهامات التي وجّهها الأمين العام لحزب جبهة التحرير الحاكم عمار سعيداني لمدير جهاز الاستخبارات محمد مدين إذ حمّله مسؤولية الفشل في حماية الرئيس الأسبق محمد بوضياف الذي اغتيل في 29 يونيو 1991 بمدينة عنابة شرق البلادّ، وكذا مقتل الأمين العام السابق للاتحاد العام للعمال الجزائريين عبدالحق بن حمودة ثم الفشل في حماية الرئيس بوتفليقة شخصياً من هجوم انتحاري استهدفه خلال زيارة إلى ولاية باتنة في ذات العام ودعوته الرجل الأول في جهاز الاستخبارات إلى الاستقالة.
لغة الخطاب وحدتها ودرجة الجرأة التي تحدث بها سعيداني الأولى من نوعها في تاريخ البلاد السياسي منذ الاستقلال في العام 1962، حيث يسود على نطاق واسع جداً في الجزائر وحتى لدى القوى التي تعرف جيداً الجزائر أن الحكم الفعلي في البلاد في يد جهاز الاستخبارات، وأن الواجهة السياسية كانت دائماً مجرد ديكور لتلطيف لغة التواصل مع المجتمع،ّ وهي اللعبة التي كان يقبل بها الجميع من ساسة وأحزاب ورؤساء مؤسسات ومجتمع مدني وكأنه قضاء وقدر تحت غطاء المصلحة العليا للبلاد تارة وتحت الشرعية الثورية تارة أخرى وخوفاً من بطش الجهاز ورجالاته أحياناً كثيرة.
سعيداني تحدث بصورة الواثق من نفسه منذ أسابيع مشيراً مرة تلميحاً وأخرى تصريحاً بأنه حان الوقت لدخول الاستخبارات إلى الثكنات والتكفل بعملها الدستوري والتوقف نهائياً من التدخل في شؤون الأحزاب والساسة وفي عمل العدالة وفي عمل الإعلام.
إلى وقت جد قريب كان الاعتقاد السائد أن الرجل يتحرك بدون بوصلة إلى غاية عودة الرئيس بوتفليقة من رحلته العلاجية من فرنسا ليشرع في ترتيب الأوراق بطريقة جادة وخاصة مع الذين روجوا لفكرة أن الرجل انتهى وشرعوا في بناء تحالفات لما بعد الرئيس بوتفليقة ومنهم بعض القيادات في جهاز الاستخبارات.
ترتيب البيت بدأ مع إعادة ترتيب جهاز الاستخبارات وتعيين قيادات جديدة على رأس المصالح الخاصة بالاستخبارات الداخلية والخارجية وحل جهاز الشرطة العسكرية الذي كان مسؤولاً عن التحقيقات داخل مجموعة وسوناطراك والتحقيق حول وزير الطاقة والمناجم السابق شكيب خليل وهو من رجالات الرئيس بوتفليقة، فضلاً عن المديرية العامة لأمن الجيش.
اتهامات سعيداني لجهاز الاستخبارات بأنه المسؤول عن تكسير الأحزاب السياسية المعارضة والتدخل في شؤون الصحافة، خلقت استقطاباً في أوساط الطبقة السياسة في الجزائر، وسارع البعض إلى اتهامه باستهداف مؤسسات الدولة.
أمين عام الحزب الحاكم تحدث للمرة الأولى عن رفضه تدخل المخابرات في الحياة السياسية، متهماً أسلافه في الحزب الحاكم بأنهم كانوا لعبة في يد المخابرات.
وإذا كان الظرف الداخلي والدولي في غير صالح الرئيس الأسبق اليمين زروال خلال تسعينات القرن الماضي، بسبب الحرب الأهلية التي عاشتها البلاد، فإن الأوضاع تغيرت اليوم تماماً لصالح بوتفليقة الذي نجح في فرض مصالحة وطنية، ونجح في تحريك عجلة التنمية وأراح الجزائر من كامل الدين الخارجي.. لكن المشكلة تبقى حالته الصحية غير المواتية.