تشكل التفجيرات المتكررة، لا سيما منها الانتحارية التي تعتبر ظاهرة مستجدة في لبنان، مؤشرا على تكثيف المجموعات المتشددة نشاطها فيه، في واحد من التداعيات الأكثر عنفا للأزمة المستمرة في سوريا المجاورة منذ نحو ثلاثة أعوام.

وشهد لبنان منذ يوليو الماضي عشرة تفجيرات، نفذ سبعة انتحاريين ستة منها. وتبنت معظمها مجموعات متشددة، هي: «جبهة النصرة في لبنان» و«كتائب عبدالله عزام» و«الدولة الإسلامية في العراق والشام»، معلنة أنها رد على قتال حزب الله إلى جانب قوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

ويقول مصدر عسكري لبناني: «كنا نتوقع أن نصل إلى هنا. إذا احترق بيت جارك، من الطبيعي أن يصل الحريق إلى منزلك». ويضيف أن «الإرهاب بدأ، بغض النظر عن الأسباب والمسببات».

ويرى المصدر الذي فضل عدم كشف اسمه أن التسميات المختلفة للتنظيمات المتشددة لا تشكل فارقا على الأرض. ويقول: «هذا الفكر فكر تنظيم القاعدة، وفكر القاعدة معروف بعدم تقبله للآخر. كل هذه الجماعات، أكانت النصرة أم الدولة الإسلامية في العراق والشام، تتغذى من الفكر نفسه».

عودة الاعتداءات

ومنذ الثمانينات، تاريخ استهداف السفارات والجيوش الغربية في لبنان في عز الحرب الأهلية (1975-1990)، لم تسجل عمليات انتحارية، باستثناء تلك التي استهدفت رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في فبراير 2005. ولم يعرف أنها انتحارية إلا بعد أعوام، عندما أكدت المحكمة الدولية المكلفة النظر في القضية ذلك في أحد قراراتها الاتهامية.

أما الاعتداءات العشر الأخيرة، فاستهدف أحدها سياسيا بارزا مناهضا لدمشق، وآخر مدينة طرابلس ذات الغالبية السنية والمتعاطفة إجمالا مع المعارضة السورية، ولم تكن انتحارية. أما التفجيرات الأخري، فوقعت في مناطق محسوبة إجمالا على حزب الله، حليف دمشق.

ويتحدث المصدر العسكري عن «بيئة حاضنة»، قائلاً إن «لبنان كان بالنسبة للمتشددين قاعدة لوجستية تؤمن متطلباتهم في سوريا. عندما اصبحوا اكثر قوة وتوفرت لهم بيئة حاضنة، حولوا البلاد إلى أرض عنف».

ومنذ تحول الأزمة السورية إلى نزاع عسكري، ظهرت التداعيات سريعاً على لبنان المنقسم بين مؤيدين للنظام ومتحمسين للمعارضة، وسجلت توترات أمنية متنقلة من معارك واغتيالات وصولاً إلى التفجيرات، مترافقة مع احتقان سياسي.

نشاطات متشددة

ويرى الباحث الزائر في مركز كارنيغي- الشرق الأوسط للدراسات رافاييل لوفيفر أن لبنان «شهد خلال الأشهر الأخيرة تزايداً لافتاً في النشاطات المتشددة»، وأن «نقطة التحول كانت في ابريل الماضي، عندما أقر حزب الله بإرسال مقاتلين لمساعدة النظام السوري».ويضيف: «على الرغم من أن لبنان ليس قاعدة مفضلة للعنف بسبب تنوعه الديني والثقافي الفريد في العالم العربي، إلا أنه قد يشكل نقطة جذب للمتشددين بسبب هشاشة الأجهزة الأمنية نسبياً، ما يسمح لهم بالقيام بأنشطة سرية».

ويعتبر لوفيفر، المتخصص في الحركات السنية، أن «من أسباب نجاح المجموعات المتشددة في تجنيد عناصر لها هو أن «عدداً متزايداً من الأشخاص يشعرون بالاستياء من الدولة، لا سيما في ضواحي المدن التي تعاني الفقر والنقص الفادح في الخدمات الأساسية». وتعتبر الأحياء الداخلية لمدينة طرابلس، حيث تنشط المجموعات المتطرفة، ومخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، الذي يؤوي العديد من هذه المجموعات، من أفقر المناطق.في المقابل، يؤكد المصدر العسكري أن «موضوع الإرهاب خط أحمر»، مشيراً إلى «تدابير أمنية مشددة لوقف مسلسل التفجيرات».