ما بين «النظام الفردي» الذي اتبعته البلاد سنوات طوال عبر تاريخها الحافل، و«نظام القوائم» الذي اعتمدته في مراحل متفرّقة من إرثها الانتخابي النيابي ينقسم الشارع المصري، فمع نفي الناطق الرسمي باسم الرئاسة السفير إيهاب بدوي الأنباء التي راجت حول اتجاه الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور لإقرار واعتماد «النظام الفردي» كنظام انتخابي تُجرى بناءً عليه الانتخابات البرلمانية المقبلة، طالبت قوى سياسية الرئيس المصري بضرورة فتح باب الحوار المُجتمعي الجاد والخلّاق حول «النظام الانتخابي»، فيما هددت قوى بالتصعيد حال اعتماد نظام مُختلف عن وجهة نظرها يصل لدرجة عدم المشاركة في الانتخابات البرلمانية.

ويحتدم جدلٌ موسّعٌ الأوساط السياسية والشعبية في القاهرة حول الأنظمة المُتاحة ما بين «النظام الفردي» ونظام القوائم أو المُختلط المتهم بعدم الدستورية في كثير من الأحيان، إذ يستخدم أنصار كل فريق «فزّاعة» إمكانية عودة وتسلّل رموز «الإخوان» والحزب الوطني إلى البرلمان المقبل حال إقرار نظام انتخابي مُخالف للنظام الذي يؤيدون.

خيارات مفتوحة

ويؤكّد أمين الحزب المصري الديمقراطي أحمد فوزي في تصريحات لـ «البيان»، أنّ «الحزب سيدرس كل البدائل، وأنّ الخيارات ستكون أمامه مفتوحة حال اعتماد الرئاسة نظاماً انتخابياً يفتح الباب أمام عودة الإخوان والحزب الوطني للبرلمان المقبل»، رافضا الكشف عن تلك البدائل التي تأتي في نطاق التصعيد ضد السلطات المصرية، نافيا تلقي الأحزاب أية دعوة من مؤسسة الرئاسة للحوار حول قانون الانتخابات البرلمانية رغم تقدّم عدد من الأحزاب بطلبٍ للرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور بضرورة فتح باب الحوار المُجتمعي.

وشدّد فوزي على ضرورة قيام السلطات المصرية بفتح حوار مُجتمعي حول النظام الانتخابي خلال الفترة المقبلة وصولاً لاتفاق مُجتمعي حول النظام الأمثل الذي يُحقق مطالب الثورة المصرية، ويمنع اختراق البرلمان المقبل من قبل أصحاب المصالح الخاصة أو ترك المشهد الانتخابي كفريسة للصراعات القبلية، مُعربًا عن تأييد حزبه للنظام الذي يجمع بين «الفردي» و«القوائم».

تأييد نظام

في السياق، يشير رئيس حزب المؤتمر ووزير الخارجية الأسبق السفير محمد العرابي في تصريحات لـ «البيان» إلى تأييد حزبه «النظام الفردي» كأبرز الأنظمة التي يحتاجها الشارع المصري في ظل الظرف السياسي الراهن، لاسيّما أنّه يتيح معرفة الناخب بالمرشح بصورة مباشرة ما يجعل البرلمان الجديد معبرا عن الشارع، لافتا إلى أهمية تقوية القوى السياسية لنفسها لمواجهة مختلف التحدّيات التي تواجهها وكي تستطيع المنافسة بقوة في الانتخابات البرلمانية، معتبرا ذلك على كونه «المحك الرئيسي».

بدوره، يلفت علي عوض المستشار القانوني والدستوري للرئيس المؤقّت المستشار، إلى أنّ «الرئاسة لم تستقر بعد على النظام الانتخابي»، نافيا كل ما تردّد حول اعتماد النظام الفردي، قائلاً: «كل ذلك لا يزال تحت الدراسة».

جدلٌ بلا معنى

ويصف مراقبون الجدل الدائر حول النظام الانتخابي سواء كان الفردي أو نظام القوائم أو النظام المختلط، واستخدام القوى المؤيّدة لكل نظام «فزاعة» الحزب الوطني و«الإخوان» لإخافة الشارع من النظام الآخر بأنّه «لا معنى له»، لاسيّما أنّ الدستور المصري و القوانين الحالية لم تنص أي منها على عزل أي فصيل سياسي، ما يبقي تلك المهمة على عاتق الشعب وحده من يختار ممثلاً.

ويوضح المراقبون أنفسهم أنّ «المشكلة الرئيسية ليست في النظام الانتخابي الذي يثار حوله الجدل قبل كل انتخابات، قدر ما هي في مدى قوة الأحزاب والقوى الوطنية على أن تحل محل «الوطني» و«الإخوان» وتنافسهم بقوة في تلك الانتخابات عبر أي نظام سياسي والشارع وحده من يختار».

وحيد عبد المجيد: النظام الفردي أكبر مهدّدات البرلمان

شدّد نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية وحيد عبد المجيد على أنّ البرلمان المُقبل سيكون مُهدّدًا من قبل من سمّاهم «شبكات المصالح الفاسدة» حال اعتماد «النظام الفردي» لإجراء الانتخابات النيابية.

وأضاف عبد المجيد في تصريحات لـ «البيان» أن المخاوف من إمكانية تسلّل عناصر الإخوان المسلمين والحزب الوطني المُنحل ونظام الرئيس الأسبق حسني مبارك إلى قبة البرلمان الجديد عبر بوابة الانتخابات بالنظام الفردي ليست الخُطورة الأكبر، قدر ما تتمثّل في إمكانية وجود شبكة مصالح، مُشكَّلة من عددٍ من الشخصيات الذين تربطهم علاقات وطيدة يعملون للسيطرة على البرلمان وتوجيهه والدولة لخدمة أغراضهم ومصالحهم الشخصية.

وأكّد أستاذ العلوم السياسية البارز، أنّ «أي تطوّر ديمقراطي في العالم كله خلال العقود الثلاثة الماضية ارتبط بإجراء الانتخابات النيابية بنظام القوائم النسبية، واعتمد العالم عليه في فتح الباب أمام التحوّل من مصالح شخصية وعصبيات وقبليات إلى منافسة حول البرامج الانتخابية وخُطط المستقبل»، مردفاً: «ومن ثمَّ لم يحدث تقدّم بتلك الديمقراطيات الحديثة المدنية إلّا من خلال الاعتماد على القوائم النسبية باعتبارها تسمو عن الصراعات الدينية والمالية والشخصية وتفتح الباب أمام تنافس سياسي بشكل تدريجي وتمثيل حقيقي وأوسع للمجتمع في البرلمان.

وأبان عبد المجيد أنّ «النظام الفردي يُهدر أكثر من 49 في المئة من أصوات الناخبين، لأنّ المرشّح الفائز في هذه الانتخابات بالنظام الفردي يشترط حصوله على نسبة 50 في المئة + صوت واحد فقط، الأمر الذي يُهدر أصوات النسبة المتبقية، بينما نظام القوائم النسبية يختلف عن ذلك تمامًا ويُحافظ على الأصوات، إذ يضمن توزيع الأصوات على القوائم وفقًا للنتائج بالتدريج.