البداية كانت متعثرة، إذ شهدت استقالة أحد وزرائها بعد ساعات قليلة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها الحكومة. الاستقالة ليست أولى المطبات، فالحكومة أمامها تحديات عظام وآمال أعظم في بلد تصل فيه نسبة البطالة إلى 15 في المائة.

ولكن الأصعب هو ما يراهن عليه التونسيون من إعادة مهدي جمعة من معالجة سريعة وملحة لملف التعيينات الحزبية والتركة الثقيلة لحكومات حركة النهضة، والتقارير هنا تشير إلى تعيين الحركة منذ وصولها إلى الحكم في أعقاب انتخابات 23 أكتوبر 2011 أكثر من سبعة آلاف من كوادرها في مؤسسات الدولة، وبالتالي فمهدي جمعة مطالب بتفكيك «الأخونة» في هياكل الإدارة والحكومة، وتحقيق المساواة المجتمعية بعيداً عن المحاصصة والتسييس، والعمل في هذا الملف محكوم بخريطة الطريق التي توافق عليها الفرقاء التونسيون خلال الشهور الأخيرة، والتي يرعاها الاتحاد العام التونسي للشغل وثلاث منظمات من المجتمع المدني، والتي تتضمن «مراجعة» التعيينات التي تمت في عهد حكومة علي العريّض ومن قبله حكومة حمادي الجبالي، والتي تشير تقارير إلى أنّ مرتكزها كان الولاء الحزبي لا الكفاءة، ومن هنا كان الإصرار على تشكيل حكومة كفاءات.

والرهان هنا على خبرات جمعة في مجال التمكين وتنشيط الأداء الاقتصادي عبر جذب الاستثمارات لإعادة بناء الاقتصاد التونسي، الذي تأثّر كثيراً خلال الأعوام الثلاثة الماضية التي تلت انتفاضة 2011.

لكن إعادة وضع الاقتصاد التونسي على سكة التعافي لن تكون سهلة، أو مهمة وردية بلا صعوبات، حيث الموازنة المرصودة للعام الجاري، والتي يمكن اعتبارها على العظم، حيث تغيب البحبوحة والموارد، تعاني عجزاً واضحاً تقدّره بعض الجهات بـ28 في المائة، وتغطية هذا الفارق بين الموارد والمصروفات لن يتأتى إلاّ بإجراءات اقتصادية قاسية لا شعبية يخشى أن تصب الزيت على النار.

وفي الشق السياسي، تبدو الحكومة أمام تحدي تهيئة الأرضية للانتخابات العامة، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بملف الأمن.

وفي سبيل تعزيز صورة الحكومة ومصداقيّتها يراهن مهدي جمعة على حكومة كفاءات من المستقلّين الذين ليس لهم عداء لأي تيار أو أي حزب سياسي.

الحكومة تكمل اليوم الـ100 ساعة الأولى من عمرها، ويبدو أنّ التونسيين يستعجلون منها تحقيق الكثير، ما يضغط عليها وعلى وزرائها، وهو ما تنبّه له الرئيس المرزوقي ونبّه منه بقوله للطاقم الوزاري إنهم سيجدون «عواصف» في الانتظار، ومطالب يريد أصحابها من الدولة أن تحققها لهم على الفور. وتوقّع المرزوقي أن تجتاح الحكومة الشائعات وأن يضغط عليها الشارع بـ«الاستقالة الفورية»، داعياً أعضاءها إلى الحفاظ على معنوياتهم والحذر من الإحباط.

الحكومة الجديدة تحتاج «تفهّماً» من الشارع أنّها لا تمتلك عصا سحرية لمعالجة المشاكل، كما يجب عليها أن تعي أن المواطن التونسي ضاق به الحال ويحتاج حلولاً إنقاذية لا ترقيعية ترفع عنه كاهل الفاقة.. عبر إدارة متزنة للموارد بما لا يُثقل على البسطاء.