يسير على الفهم أن يستعين الاحتلال الأجنبي بقوى في الداخل لتنفيذ مآربه. فبوساطة ذلك العون، يمكن له أن يرسخ سياسة فرق تسد المعروفة، فضلاً عن ضمان وجود «مسمار جحا» إن رحل. ولا يختلف النموذج السوري كثيراً عن غيره.
فالوطن الذي تشكل مطلع عشرينات القرن الماضي بدأ كاتحادٍ فيدرالي، ليس فقط رغبةً من الفرنسيين بالتجزئة، بل لأنه كان نتاج خلافات متجذرة بين مكونات مجتمعٍ غير متجانس، خاصةً في ظل توجس الأقليات من الأغلبية.
تلك الأقليات، التي اعتمد عليها الانتداب في إخماد نيران الاستقلال من خلال إعطائه إياها مجالاً واسعاً من الإدارة الذاتية والسماح لها بالانضمام إلى قواته المسلحة كقوة ضاربة، سرعان ما اعترضت على إلحاقها بدولةٍ واحدة مع الأغلبية مخافة ابتلاعها.
مبررات وذرائع
والحال كذلك، قد لا يكون عسيراً إدراك كيف ولماذا تحول النظام في سوريا إلى حالة احتلال داخلي تستدعي تدخلاً أجنبياً، بل وتعيش عليه، في مثالٍ قل نظيره عبر التاريخ.
فبعد أن فقد مبررات وجوده التي كان يسوق نفسه بذريعتها ألا وهي حماية البلاد والحفاظ على الوحدة الوطنية، بالنظر إلى حجم الانقسام والتجييش المذهبي المرعب والكم الهائل من الدمار التي تعيثه «العصابات المسلحة»، إن تم التسليم جدلاً بنظريته الهزيلة، لم يعد أمام النظام من حلٍ سوى استيراد الميليشيات والمرتزقة المتآلفة معه في المنبت المجتمعي واستجداء دعم بعض الأنظمة المتشابهة معه في العقيدة السياسية لإطالة عمره على طريقة آرييل شارون الذي بقي نظرياً على قيد الحياة بفضل وصله بأجهزة الإنعاش طوال 24 ساعة.
تأويل موقف
وتالياً، لا يمكن تأويل موقف المعارضة السورية، القائم على طلب المساعدة الخارجية لوقف المجازر، بأنه متناظر في المرامي، لأنه ليس إلا رد فعل على سلوكيات النظام على مدى أكثر من أربعة عقود، وهدفه إقامة هيكلية جديدة وإنهاء حالة الاحتلال الداخلي لا البقاء في الحكم أو الوصول إليه، على اعتبار أن أحداً من رموز المعارضة أو قياداتها لا يضمن بأي حالٍ من الأحوال استلامه زمام السلطة بعد سقوط النظام الحالي وتأسيس دولة القانون والمؤسسات.
سياسات وتجاذبات
إن سوريا إذ تعاني مما تعانيه منذ ثلاثة أعوام، لم تنقطع في يومٍ من الأيام عن كونها ساحة صراع وتصفية حسابات على العكس مما يشاع دوماً عن قدرة نظامها على تحويل بلدان الجوار ميداناً للي ذراع القوى الكبرى والحصول منها على تنازلات أو عقد صفقات.
فتلك السياسات تماماً ما جعلها، أو مهّد على أقل تقدير لجعلها، هدفاً للتجاذبات التي أضحت اليوم واقعاً معاشاً في أردأ حالاته والمتهم هو وحده ذلك النظام الذي يمزج ما بين القوة الميليشوية، التي لا تفرق كثيراً عن «الجبهة الثورة المتحدة» في سيراليون أو «الانترهاموي» في رواندا، والسلطة الاحتلالية غير المنتمية إلى الوطن.
مصير التقسيم
قال وزير الدفاع الإسرائيليّ موشيه يعلون، الأربعاء الماضي: إنّ ما يجري في سوريا هو «حالة عدم استقرار مزمنة، وتقسيم الدولة إلى ثلاثة دويلات، وأنّ الحرب تدور على أبواب العاصمة دمشق». وأضاف يعلون أنّ «سياسة تل أبيب هي عدم التدّخل.
ولكن على الجميع أنْ يعلموا أننّا نُحافظ على مصالحنا، والتي تتمثل في ثلاث نقاط جوهريّة: عدم تزويد حزب الله بأسلحة متطورّة، عدم نقل أسلحة متقدّمة، بما في ذلك الكيماوية إلى جهات معادية، وعدم التعرّض لسيادة الدولة العبريّة في هضبة الجولان»، على حد وصفه.
