أكثر من شهر هو عمر الصراع الدامي في دولة جنوب السودان، ذات الربيع الثالث، الآلاف فقدوا ارواحهم وعشرات الآلاف فقدوا المأوى والأمان، وباتوا تحت رحمة الجوع والنزوح. صراع بدأ سياسيا ويسير نحو القبلي في مجتمع تمثل القبيلة اساسا لدولة هشة التكوين، ولا تزال محاولات المصالحة تراوح محطتها الأولى دون ان تحدث اختراقا يوقف نزيف الدم.

ولا شك أن دولة الجنوب الوليدة ورثت التناحر من السودان الدولة الأم، حيث عطلت الحروب مسيرة السودان بعد خروج المستعمر الإنجليزي، وفشلت جميع الحكومات التي تعاقبت منذ استقلال اكبر بلد افريقي في إدارة التنوع الإثني والثقافي.

انفصل الجنوب، واشتعلت الحرب الأهلية القائمة على ذات التراكمات في كلا الشطرين، الأمر الذي جعل خيار «البتر» ليس العلاج الناجع في بلد تسيطر عليه القبيلة شمالا وجنوبا.

3 أقاليم

وباتت الأوضاع تتطور يوميا من سيئ لأسوأ، جعلت من جنوب السودان دولة قبلية تقوم على ثلاثة أقاليم (أعالي النيل، بحر الغزال، والاستوائية). ويمثل اقليم اعالي النيل الموطن الأكبر لقبيلة الشلك، والتي تأتي بعدها في الاقليم قبيلة النوير، التي ينتمي اليها قائد المتمردين في الجنوب رياك مشار. فيما يمثل اقليم بحر الغزال الموطن الأكبر لقبيلة الدينكا، التي ينتمي اليها الرئيس الجنوبي سلفاكير ميارديت، الى جانب مجموعات اثنية صغيرة مثل الفرتيت والجور.

بينما يضم اقليم الاستوائية اكثر من 20 قبيلة، ابرزها الزاندي والباريا والمنداري، وغيرها من القبائل الأخرى مثل الدينكا والنوير.

حكم القبائل

وتحكم القبائل في جنوب السودان الأعراف والتقاليد، ففي قبيلة الشكلك يكون «الرث» بمثابة الملك الذي اليه ترجع كل الأمور المتعلقة بالقبيلة، بينما يمثل السلاطين في قبيلة الدينكا اكبر القبائل الجنوبية الآمرين الناهين، وهم الذين يديرون شؤون القبيلة.

أما قبيلة النوير فهي من القبائل التي يصعب السيطرة عليها، فهي شرسة في القتال وتسيطر عليها الأرواح والكجور، ويعتقدون في الأرواح. وتمتلك قبيلة النوير الجيش الأبيض، وهو عبارة عن مليشيات تعتقد في الروح ولا تخشى الموت، بل تعتبره حافزا للالتحاق بروح الكجور المعلقة بين السحاب، حسب اعتقادهم.

صراع جيش وحركة

ويرى المراقبون ان وجود أي بؤرة للتمرد في بلد مثل جنوب السودان لا يعني ان هناك سلام كامل، حيث ان ذلك سرعان ما يتحول الى حرب اهلية. ويقول الخبير العسكري والاستراتيجي رئيس وفد الحكومة السودانية للتفاوض مع متمردي جنوب السودان في تسعينيات القرن الماضي اللواء د. محمد الأمين خليفة ان «الصراع الدموي الدائر في جنوب السودان الآن ليس بين سلفاكير ومشار فقط، بل هو صراع بين الجيش الشعبي والحركة الشعبية التي يمثلها السياسيون المعتقلون». وتوقع خليفة أن تطول الحرب في حال استمرت جهود الحل بهذه الطريقة الضعيفة، التي قال انها تقوم على عقلية قانون القوة.