أفضت طبيعة اللقاءات والاتصالات التي تمّت في الساعات الأخيرة مزيداً من الغموض على تشكيل الحكومة اللبنانية، حتى ان المعنيّين بهذا الملف باتوا في حيرة من أمرهم، وباتوا يرفضون الانزلاق الى تحديد سقف زمني لموعد ولادة الحكومة، مهما كان شكلها وطبيعتها.

وفي حين تجاوزت أزمة التأليف كل المعقول والمقبول في سياق تاريخ تشكيل الحكومات، على أبواب انقضاء الشهر العاشر على التكليف، فإن الرئيس المكلّف تمام سلام، وفق مصادره، لن يضع مهلاً محدّدة برسم التقصير أو التهديد، ولا يستثني الحكومة الحياديّة من خياراته.

عقدة المداورة

وبالرغم من أن عقدة «المداورة» لم تفرج بعد عن الحكومة، وإزاء المخاوف المتنامية على مصير هذا الاستحقاق، إلا أن جميع الأطراف المعنية بعملية التأليف لا تزال تتهيّب الاستسلام لـ «الأمر الواقع»، والتسليم بالفشل في تشكيل الحكومة الجامعة، باعتبار أن أحلى السيناريوهات في هذه الحال سيترك آثاراً وخيمة على الوضع الداخلي، لا سيما على الاستحقاق الرئاسي.

وقد أظهرت حصيلة المشاورات أن رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون لا يزال على موقفه الرافض لمبدأ المداورة، وهو لم يقدّم حتى الآن أي تسهيلات تفيد في تسريع التشكيل.

وكان عون رفع سقف المواجهة مع الرئيس المكلّف، ببيان لم يسمِّه فيه لكنه أصابه مباشرة، إذ خاطبه قائلاً: إن «الفشل في تأليف الحكومة، بعد عشرة أشهر أمضاها من دون أي جهد لحل الأزمة، ينهي التكليف ويوجب الاعتذار»، محذّراً من أن «أي حكومة تؤلّف خارج الأطر الدستورية والميثاقية هي فاقدة للشرعية».

رسالة سلبية

وفي المعلومات التي توافرت لـ «البيان»، فإن الرئيس المكلّف ينتظر موقفاً نهائياً لحزب الله مما قاله عون، ليبني على الشيء مقتضاه، وإن كانت كل الأجواء تتحدّث عن «رسالة سلبية» يؤكّد من خلالها الحزب البقاء الى جانب عون، حتى لو أدّى ذلك الى تطيير كلّ الجهود التي بُذلت من أجل حكومة جامعة. علماً أن كلام عون جاء ردّاً على دفاع الرئيس المكلّف عن مبدأ المداورة، بقوله إن لا مساومة حولها، وبتلويحه بما أسماها «الحكومة الحيادية».

حكومة حيادية

وفي خضمّ هذه الأجواء، دعا رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الى تأليف حكومة حيادية، راسماً لها الحدّ بين «حكومة الأمر الواقع المرفوضة» و«حكومة الواقع المطلوبة». وتمنّى على رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس المكلّف عدم إضاعة أي لحظة إضافية، واستخدام صلاحياتهما الدستورية في تأليف حكومة حيادية عن فريقَي 8 و14 آذار، وليس عن السياسة السيادية المتمثلة بإعلان بعبدا، معتبراً أن خطوة من هذا النوع «باتت إنقاذا ملحّا لمصلحة الوطن».

وتجدر الإشارة الى أن حزب القوات لن يشارك في الحكومة، بناءً على موقف سابق «غير قابل للالتباس أو الأخذ والردّ»، وفق مصادره.

تشكيلة معلّقة

روفي الانتظار، وفيما لم تبرز أي بارقة أمل توحي بإمكان إحداث الخرق المرجو، فإن التشكيلة تبدو معلّقة الى الأسبوع المقبل، أو الى نهاية الأسبوع الجاري ريثما يتبلور الحوار السوري، وإما الى منتصف فبراير المقبل إفساحاً في المجال أمام إنضاج الاتصالات، بحسب التوقعات، وإلا فإن حكومة الأمر الواقع السياسية، التي تمثّل الجميع وتعطي حقائب لكل القوى السياسية من دون استثناء، هي الخيار البديل، لكنّها تبقى أحجية في ظل عدم تقدير ردود أفعال جميع الأطراف عليها.

 

حلول متوافرة

يلخّص مصدر سياسي متابع المشهد اللبناني بقوله لـ «البيان» إن «كلّ طرف يقف على مرصده السياسي ولا يتقدّم خطوة إلى الأمام»، مع إشارته الى أن الحلول تبدو متوافرة «إذا ما تمّت عملية تدوير للأفكار، وربما عبر تفكيك المداورة وتبسيطها ونشرها على أكثر من احتمال، وبينها الاتفاق على مبدأ المداورة وترحيل البحث بدورانها إلى أول جلسة لمجلس الوزراء وإقرارها بالإجماع، أو اعتماد المداورة من ضمن التكتل».

ويذكر المصدر ذاته أن مشروع الحكومة الجامعة، وبعيداً عن «عُقدة» المداورة، كان حقّق الأصعب والأهم على المستوى الاستراتيجي، وهو تجاوز الخلاف بين حزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل حول التركيبة السياسية للحكومة. البيان