كشف رئيس الحكومة التونسية الجديدة مهدي جمعة أنّ برنامجه الحكومي للفترة المقبلة سيرتكز أساسا على توفير الظروف الملائمة لإنجاح الانتخابات الرئاسية المقبلة، وطالب المجتمع الدولي والمؤسسات المالية بتقديم يد العون إلى بلاده الخارجة من استحقاقات كبرى، والتي تعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة.

وأكد جمعة، خلال جلسة المصادقة على منح الثقة لحكومته، أنّه سيسعى إلى تسخير كل الإمكانات للكشف عن الجناة والمتورطين في اغتيال القياديين المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

وقال جمعة، في كلمة ألقاها أمام المجلس التأسيسي لنيل الثقة أمس، أن تونس ستسعى الفترة المقبلة إلى تعزيز التعاون مع دول الجوار لتأمين المناطق بهدف الحدّ من الإرهاب والتهريب، على حد قوله، كما أكد انّ حكومته ستقوم بتحييد المحافظين ومراجعة التعيينات في كلّ الوظائف ذات الصلة بالانتخابات، مضيفا أنّ أبرز الملفات المطروحة حاليا على طاولته هي توفير الظروف الملائمة لإقامة انتخابات حرّة وشفافة ونزيهة على حدّ قوله. كما تعهد توفير المناخ المناسب للتنافس بين الأحزاب السياسية. وتعهد توفير فضاء ملائم لإجراء انتخابات شفافة ونزيهة بمراجعة التعيينات على أساس الكفاءة والحيادية.

الأمن وتحقيق أهداف الثورة

كما اكد مهدي جمعة على ان الملف الأمني سيكون من اهم اولويات الحكومة المقبلة من خلال تعزيز الجهود للتصدي للمخاطر الإرهابية التي تهدد امن واستقرار تونس. وقال إن حكومته ستوثق الصلة مع كل الأحزاب والمنظمات وكافة فعاليات المجتمع المدني، وستكون على نفس المسافة مع الجميع لضمان حيادها وحفظها من كل الصراعات والتجاذبات السياسية.

ووعد جمعة بأن تنطلق حكومته في العمل على تحقيق أهداف الثورة، وستكون ملتزمة بأحكام الدستور وما جاء في الحوار الوطني وخريطة الطريق، داعيا إلى تفعيل العقد الاجتماعي الذي تم ابرامه تحت قبة المجلس التأسيسي في الذكرى الثانية للثورة، وانشاء المجلس الوطني للحوار الاجتماعي.

مساعدة المجتمع الدولي

إلى ذلك، ناشد جمعة المجتمع الدولي والمؤسسات المالية، المساهمة في خروج تونس من الأزمة الاقتصادية، بينما تستعد البلاد للمرحلة الأخيرة من الانتقال الديمقراطي. وقال: «نعول على انفسنا ولكن نتطلع ايضا لمساندة اصدقاء تونس ومؤسسات التمويل لدعمنا في هذه المرحلة الدقيقة من الانتقال الديمقراطي». واشار إلى ان المرحلة الحالية في تونس تحتاج اصلاحات اقتصادية، وهي اصلاحات يطالب بها المقرضون الدوليون لدعم تونس.

وتحتاج تونس الى موارد مالية لانعاش اقتصادها الهش مع تراجع صادراتها بسبب تراجع الإنتاجية، مع تزايد الإضرابات في عدة قطاعات للمطالبة برفع الرواتب.

وتتطلع تونس للحصول على قروض ومساعدات من الغرب الذي اشاد بالتجربة الديمقراطية ووصفها بأنها «نموذج يجب ان يحتذى في المنطقة».

واشادت فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا بالخطوات التي قطعتها تونس، وتعهد الاتحاد الأوروبي بالمضي في دعم تونس، بينما قالت واشنطن انها ستواصل الوقوف الى جانب تونس. ومن المقرر ان يجتمع وفد من صندوق النقد الدولي اليو مع مسؤولين حكوميين لبحث امكانية الإفراج عن قسط ثاني من قرض مجمد بقيمة 500 مليون دولار.

وقال محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري: «ستكون هناك صدمة ايجابية في الأسواق المالية، وان شاء الله غدا يكون هناك خبر جيد بإمكانية موافقة صندوق النقد على قرض بقيمة 500 مليون دولار».

 

جدل حول مصير المجلس التأسيسي

أثار انتهاء المجلس التأسيسي التونسي من صياغة الدستور والمصادقة عليه تساؤلات عن مصيره بعد مضي عامين وشهرين من انطلاق مهامه. وأنهى «التأسيسي» مهمته الأساسية التي استحدث من أجلها في 23 أكتوبر 2011، والتي تمثلت بصياغة دستور جديد للبلاد ثم مناقشته والمصادقة عليه، ثم ختم من قبل الرؤساء الثلاثة في احتفالية كبرى، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في مثل هذه الظروف : ماذا بعد الدستور ؟

وقال رئيس المجلس مصطفى بن جعفر، إن المهمة الأساسية للمجلس اثر المصادقة على الدستور تتمثل في إعداد القانون الانتخابي اضافة الى النظر في بقية مشاريع القوانين والاتفاقيات ذات الصبغة الاستعجالية فضلاً عن مهمة مراقبة الحكومة.

وأشار بن جعفر إلى أن المجلس التأسيسي سيتحوّل الى برلمان يتولى مناقشة وإصدار القوانين والتشريعات الى جانب مراقبة العمل الحكومي، وبإمكانه التدخل لحظة يشاء في مساءلة الحكومة، وطبق الفصل 19 من القانون المنظم للسلطات المؤقتة، يستطيع المجلس سحب الثقة من الحكومة كاملة أو من أحد أعضائها بأغلبية ثلاثة أخماس النواب (60 في المئة من الأصوات)، وسيكون بإمكان المجلس الإطاحة بالحكومة في حالة انتهاء العام 2014 دون تنظيم انتخابات.

وكانت رئاسة المجلس الوطني التأسيسي أكدت في بيان لها صدر في 18 نوفمبر الماضي ان «التأسيسي» سيواصل مهامه بعد وضع الدستور في ممارسة السلطة التشريعية واستكمال القوانين الأساسية وعلى رأسها القانون الانتخابي إلى حين انتخاب البرلمان المقبل.

النهضة لا تزال في الحكم

بالمقابل ترى بعض قيادات المعارضة أن الإبقاء على المجلس الوطني التأسيسي يعني بقاء حركة النهضة في الحكم، وهو ما لم تنفه قيادات الحركة، حيث أشار رئيسها راشد الغنوشي أنها تخلت عن الحكومة ولكنها لم تتخلّ َ عن الحكم، وهو ما يعني أن الحكومة الجديدة ستبقى تحت رحمة المجلس الوطني التأسيسي، حيث تستطيع الأغلبية سحب الثقة من الحكومة في حالة تحالفها مع حليفيها السابقين حزبي التكتل والمؤتمر وبعض القوى الأخرى القريبة من حركة النهضة مثل حركة وفاء بقيادة عبد الرؤوف العيادي وتيار المحبة بزعامة الهاشمي الحامدي.

ثلاثة أشهر

وطالب النائب حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد والقيادي في الجبهة الشعبية المنجي الرحوي بضرورة إنهاء عمل المجلس التأسيسي في ظرف ثلاثة أشهر، خاصة وانه تم الانتهاء من صياغة الدستور والتصويت على فصوله، وأضاف: «لا نريد ان يتحول هذا المجلس لمنبر للدعاية الانتخابية من قبل البعض والأفضل ان يذهب كل نائب الى حال سبيله الى حين تسليم الأمانة الى النواب المنتخبين في البرلمان المقبل».

تأثير في الانتخابات

وموقف الرحوي لم يأتِ من فراغ وإنما يعبّر عن قناعة تيارات المعارضة الراديكالية التي ترى أن الإبقاء على التأسيسي يعني بقاء حركة النهضة في الحكم، وهو يعطي للحركة صلاحيات للتأثير على الواقع العام في البلاد وعلى توجهات الرأي العام، وقد يكون لها دور مؤثر في الانتخابات المقبلة.

ولا يخفي المراقبون من أن تعرف البلاد أزمة جديدة بسبب المجلس الوطني التأسيسي، وكذلك بسبب الرئيس المنصف المرزوقي، الذي يرى معارضون أن عليه أن يختار بين أمرين: فإما البقاء في الحكم وعدم الترشح للانتخابات المقبلة، أو الاستقالة والترشح على أن يتولى رئاسة البلاد شخصية غير معنية بلانتخابات.