أنجزت الحكومة التونسية خلال الـ24 ساعة الماضية، عدة استحقاقات دستورية مهمة، بدأتها بإقرار دستور جديد للبلاد، ثم تشكيل حكومة جديدة، ثم مصادقة رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان على الدستور.


وتولى التوقيع على الدستور كل من رئيس الجمهورية محمد المنصف المرزوقي ورئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر ورئيس الحكومة المستقيلة التي تقودها حركة النهضة الاسلامية، علي العريض.


انتصار
واعتبر الرئيس التونسي في خطاب توجه به الى أعضاء البرلمان المصادقة على نص الدستور «انتصارا» للشعب التونسي، مؤكداً أن «الطريق ما زالت طويلة ويلزمها الكثير من العمل لتصبح قيم الدستور جزءا من ثقافتنا».


من جهته، قال بن جعفر في خطاب اثناء مراسم التوقيع «لم يكن طريقنا سهلا للوصول لهذه اللحظة فقدنا على الطريق شهداء ولكننا ربحنا دستورا يبني للحرية والكرامة».


بدوره، عبر رئيس الوزراء المستقيل علي العريض، عن ثقته من ان «تونس تسير نحو الديمقراطية رغم الهزات والصعوبات التي قد تطرأ من حين لآخر».


وتم التوقيع على الدستور الجديد الذي صادق عليه المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) بأغلبية ساحقة ليلة الأحد الاثنين، ويشتمل على «توطئة» (ديباجة) و149 فصلا، خلال جلسة عامة في مقر «التأسيسي»، وحضرها ممثلو دول وبرلمانات أجنبية.


وسينشر الدستور، الذي تم التصويت النهائي على نصه الكامل ليل الأحد بموافقة 200 نائب (من اصل 216 نائبا شاركوا في عملية الاقتراع مقابل معارضة 12 نائباً) بعد توقيعه في الجريدة الرسمية على ان يدخل حيز التنفيذ تدريجيا في انتظار انتخاب برلمان ورئيس جديدين.


حكومة مهدي ترى النور
وبالتزامن مع المصادقة على الدستور، أعلن رئيس الحكومة التونسي المكلف مهدي جمعة عن تشكيل حكومة مستقلة ستقود البلاد الى انتخابات هذا العام، وكان لافتاً بقاء وزير الداخلية في حكومة علي العريض لطفي بن جدو في منصبه.


ويتوقع أن تعقد اليوم الثلاثاء جلسة منح الثقة للحكومة التونسية الجديدة بالمجلس الوطني التأسيسي.


وقدم جمعة مساء الأحد تشكيلة حكومته التي تضم 21 وزيرا وسبعة وزراء دولة مع الإبقاء على بن جدو، وذلك بعد مقايضته بالمصادقة على فصل يتم بموجبه سحب الثقة بأغلبية ثلاثة أخماس، ما اعتبره رئيس الحكومة الجديد شرطا يمكن من مناخ للاستقرار، ملاحظا أن مهمته لن تكون بالسهلة وفق تعبيره.


واعرب جمعة خلال مؤتمر صحافي عقده عقب تقديمه لتشكيلة الحكومة الجديدة إلى الرئيس المرزوقي عن أمله في أن تنال هذه الحكومة وبرنامجها الثقة في أقرب وقت من المجلس التأسيسي.


وأكد جمعة أن مهمة فريق الحكومة لن تكون سهلة نظرا للتحديات التي تنتظرها للوصول الى انتخابات نزيهة وشفافة، مضيفا ان الاستقلالية والكفاءة هما أساس اختيار وزرائه. وأشار الى أن الظرف الأمني الراهن من أهم الأسباب التي دفعته بالتمسك بلطفي بن جدو على رأس وزارة الداخلية.
ولاحظ جمعة أن حكومته ستكون اخر حكومة في الفترة الانتقالية، مؤكدا أن باب الحوار سيظل مفتوحا من أجل توفير مناخ سليم لتنظيم الانتخابات.


مقايضة اللحظة الأخيرة

وشهدت كواليس السياسة التونسية طيلة يومي الجمعة والسبت مفاوضات سرية بين الفرقاء وبين الكتل النيابية بالمجلس الوطني التأسيسي وفي إطار الحوار الوطني، انتهت بمقايضة الإبقاء على لطفي بن جدو على رأس وزارة الداخلية وتقدم مهدي جمعة للإعلان عن تشكيله الحكومي مقابل المصادقة على التنقيح الجديد للفصل 19 من التنظيم المؤقت للسلطة العمومية المتعلق بتحديد نصاب سحب الثقة من الحكومة والتي أصبحت بأغلبية ثلاثة أخماس.


وكان المجلس الوطني التأسيسي صادق يوم الجمعة على الفصل ذاته ولكن بصيغة مختلفة تسمح بسحب الثقة من أي وزير بأغلبية 50 في المئة زائد صوت من نواب المجلس، وهو ما رفضه رعاة الحوار الوطني ووصفه حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بأنه حرق لخارطة الطريق، واعتبرته وداد بوشماوي رئيسة الاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية رسالة قوية ترمي إلى وضع العصا في عجلة الحكومة الجديدة كلّ وقت.


خرق للقانون
وفي حين قال النائب عن الكتلة الديمقراطية بالمجلس الوطني التأسيسي إياد الدهماني أن الرئيس المرزوقي خرق التنظيم المؤقت للسلطة العمومية وذلك نظرا لأن رئيس الحكومة المكلف مهدي جمعة تجاوز 15 يوما عن الإعلان عن تشكيل الحكومة.. اعتبر حزب العمال (يسار) بزعامة حمّة الهمامي أن مهدي جمعة شكل حكومة ترويكا ثالثة عبر اصراره على بقاء بن جدو على رأس وزارة الداخلية وتعيين وزراء معروفين بارتباطهم بحركة النهضة مثل وزير الصحة ووزير النقل.


وأكد حزب العمال في بيان له بعد الإعلان عن التشكيلة أن حكومة مهدي جمعة لن تحظى بتوافق كل القوى وأنهم في الجبهة الشعبية لن يبقوا مكتوفي الأيدي.


وكانت أحزاب تحالف الجبهة الشعبية أعلنت رفضها لبقاء لطفي بن جدو على رأس وزارة الداخلية على خلفية حادثة اغتيال محمد البراهمي القيادي في الجبهة ومؤسس التيار الشعبي القومي الناصري في 25 يوليو الماضي.


إضاءة
ولد مهدي جمعة في 21 ابريل 1962 بالمهدية على الساحل التونسي


وحصل على شهادة الهندسة العام 1988 ثمّ شهادة الدراسات المعمقة في الميكانيك العام 1989.


وهو متخصص في مجال تطوير المؤهلات العلمية في الأعمال والتدريب في مخطط الأعمال والاستراتيجية والتسويق.


وتولّى بين 1990 و2003 إدارة مكتب الدراسات في مجال الطيران والسكك الحديدية والصناعة، ثم عمل خلال العامين 2003 و2004 مديرا فنيا بشركة بوليسترا وفيبراشوك ثم مديراً فنيا بشركة هوتشينسون بين 2004 و2009.


وعيّن وزيراً للصناعة في حكومة علي العريض في 13 مارس 2013.


وهو متزوج وأب لخمسة أطفال.


ذكرى انتفاضة النقابات
لاحظ المراقبون أن تونس اختارت الإعلان عن ولادة دستورها الجديد مساء 26 يناير، وهذا الموعد يرتبط في الذاكرة التونسية بالأحداث التي حصلت في ذات اليوم من العام 1978 عندما شهدت البلاد انتفاضة شعبية قادتها النقابات العمالية في مختلف المناطق ضد الرئيس الحبيب بورقيبة، ونتج عنها سقوط 300 قتيل برصاص الأمن والجيش، وهذا ما لفت إليه زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي بقوله إن «الدستور الجديد سيحول دون تكرار ما حدث يوم 26 يناير 1978 وسيقطع مع تاريخ الديكتاتورية في البلاد».