شهدت واشنطن مؤخراً ما يشبه الزحف النيابي العراقي إليها. وفود، منها ما جاء بدعوة من مؤسسات أميركية شبه رسمية، ومنها ما جرى ترتيبها بالتنسيق مع الإدارة. وامتدّت زياراتها لنحو أسبوع، حفلت باللقاءات مع كبار المسؤولين في الإدارة والكونغرس، فضلاً عن المقابلات الإعلامية والمحاضرات في بعض مراكز الدراسات والأبحاث. في مقدمة الزوار كان رئيس مجلس النواب أسامة النجيفي على رأس وفد نيابي . وقبله حضر نائب رئيس الوزراء صالح المطلك والنائب عزت الشهبندر من المستقلين والنائبة ندى الجبوري من كتلة «العراقية»، بدعوة من مركز الدراسات الاستراتيجية للشرق الأدنى وجنوب آسيا التابع لوزارة الدفاع الأميركية.

عودة الملف العراقي إلى واشنطن بهذا الشكل غير الاعتيادي، وبعد غياب طويل، جاءت على خلفية عودة تنظيم القاعدة إلى الأنبار وتعثّر القوات العراقية في مواجهته. تطور أثار القلق في واشنطن من زاوية تأثيره في الوضع السوري، بحكم قربه من الحدود. خاصة في هذه اللحظة حيث ينعقد جنيف2. إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما حثّت الحكومة العراقية على إحياء تجربة «الصحوات» لمعالجة الوضع في الفلوجة والرمادي وغيرهما. كما وافقت على صفقة سلاح مستعجلة بقيمة 82 مليون دولار طلبتها بغداد لتمكين الجيش من المهمة. ويوم الخميس الماضي أحالت الطلب إلى الكونغرس والموافقة عليه متوقعة.

القيادات النيابية السنّية التقطت الفرصة ولبّت الدعوات وجاءت إلى واشنطن بغرض إعادة طرح الأزمة العراقية من بوابتها السياسية الأصلية، باعتبار أن الجانب الأمني متفرّع عنها ونتيجة للمعادلة السياسية المختلة. نشاطات المطلك والنجيفي دارت حول هذه النقطة المركزية. ففي محاضرة ألقاها في مؤسسة أميركا من أجل السلام المتفرعة عن وزارة الخارجية الأميركية، حذر المطلك من أن السلاح «لن ينفع تزويد الجيش به إذا حصل بصورة منفصلة عن حلّ سياسي».. كانت دعوته هذه محور نشاطه واتصالاته التي أجراها في واشنطن. خاصة مع عدد من أركان مجلس الشيوخ، مثل السناتور جون ماكين ورئيس لجنة القوات المسلحة في المجلس السناتور كارل ليفين وغيرهما.

كذلك كان التشديد على هذا الجانب في تحركات النجيفي الذي شملت لقاءاته اوباما ونائبه جون بايدن ووزيري الخارجية جون كيري والدفاع تشاك هاغل وعدد من أركان الكونغرس، واستضافته مؤسسة بروكينغز للدراسات، حيث ألقى محاضرة شدّد فيها على خطورة الوضع الذي بات معه العراق «على مفترق طرق». كما شدّد على أن عودة «القاعدة التي تستهدف السنة كما الشيعة»، ترتبط بانتعاش البيئة الحاضنة لها، والتي أدّى إليها الغبن الناتج عن تفرّد المالكي بالسلطة وحرمان مناطق عديدة من نصيبها من موارد النفط، كما قال.

مأزق النجيفي

خطاب النجيفي والمطلك، كان أقرب إلى الشكوى المرفقة برسالة مفادها أنه مقابل المساعدة في إحياء «الصحوات السنّية لمقاتلة القاعدة» ، مطلوب من واشنطن الضغط على رئيس الحكومة نوري المالكي لحمله على تصحيح المعادلة السياسية المختلّة. إدارة أوباما تعمّدت إبراز الزيارتين، خاصة زيارة النجيفي، كرسالة إلى رئيس الحكومة المالكي؛ لحمله على تصحيح الوضع عشية الانتخابات (المفترضة في ابريل المقبل) وفي هذه اللحظة الدقيقة التي تمرّ بها المنطقة، لكن من غير نيّة للتخلي عن دعمه حتى الآن. لم تربط الإدارة تلبية صفقة الأسلحة التي طلبها بشرط التصحيح. ما شكت منه المعارضة السنّية، تعرفه واشنطن تماماً. مأزق النجيفي والمطلق ومن في خندقهم، أن الطرف الدولي الذي يرفعون إليه الشكوى، هو نفسه مهندس الاختلال الحاصل في الوضع السياسي العراقي، ولا يهمّه سوى ألا يتحوّل العراق إلى قاعدة لـ «القاعدة». في هذه الحدود استقبلت واشنطن الوفدين النيابيين كورقة ضغط على المالكي كي يتعاون ويلبي «المطالب المشروعة للأقليات»، كما قال أوباما بعد اجتماعه بالنجيفي.

كذلك طالب الزوار بضرورة التعاون لدحر الإرهاب في الفلوجة وغيرها. فواشنطن تتدخل لتحقيق مثل هذا التعاون عندما تحتاجه. لكنها ليست في وارد التدخل للتصحيح. لقد قرّرت، منذ الانسحاب، التعايش مع الاختلال في الوضع العراقي طالما لا يلحقها منه أذى مباشر.

انتقاد

انتقد النائب عن كتلة «وطنيون» أحمد الجبوري زيارة رئيس مجلس النواب العراقي أسامة النجيفي إلى واشنطن، مشيراً إلى أن زيارته كانت زيارة حزبية.

وقال الجبوري إن «الزيارة الأخيرة التي قام بها النجيفي إلى واشنطن كانت بصفته رئيساً لكتلة «متحدون»، وليس بصفته رئيساً للبرلمان العراقي»، لافتاً إلى أن «ذلك كان واضحاً من طبيعة الوفد المرافق له».