تشهد المناطق الكردية في سوريا تردياً في الخدمات دفع بالآلاف إلى النزوح رغم نشاط جزئي لـ «الإدارة الذاتية الديمقراطية» التي أعلنها التيار الذي يقوده حزب الاتحاد الديمقراطي. وهذه الإدارة تبدو في مضمونها أقرب إلى تقليص حضور النظام ونفوذه إلى حده الأدنى، ومقدمة لإزاحته عن قطاع الخدمات المتهالك والأمن الداخلي.

لم تتعرض المناطق الكردية في سوريا إلى حملات عسكرية بطابع الإبادة كالتي تشهدها مناطق وبلدات ومجاورة لها، لكن المفارقة أن نسبة النزوح الكردي فيها لا تقل عن تلك التي تشهدها مناطق الحرب في أحياء حلب أو بلدات ادلب.

ويرابط على الحدود مع إقليم كردستان آلاف النازحين الأكراد بانتظار التدفق على جسر معبر سيمالكا للانضمام إلى نحو 200 ألف نازح سبقوهم إلى الإقليم. قسم من هؤلاء النازحين جاؤوا من بلدات كردية تقع في مناطق الكثافة السكانية العربية شمال سوريا، وهذه المنطقة تتعرض إلى غارات جوية عشوائية دفعت بالسكان إلى خارج مناطقهم.

محطة النزوح الأولى من حلب باتجاه إقليم كردستان تمر من مدينة القامشلي الواقعة على بعد 100 كيلومتر من بوابة الحدود مع إقليم كردستان، إلا أن هذا المكوث لا يطول، ويفضل النازحون التوجه إلى المعبر والانتظار هناك على أمل أن تفتح الحدود عشوائياً كما جرت العادة قبل إن يتم إغلاقها سريعاً.

البنية التحتية

لو فتحت البوابة الحدودية على مصراعيها، لخلت القامشلي نفسها من سكانها الأكراد والعرب، ذلك أن البنية التحتية في منطقة الجزيرة ضعيفة ومتهالكة. في ظل هذه المعطيات، أعلن التيار الذي يقوده حزب الاتحاد الديمقراطي عن الهيئة التنفيذية للإدارة الذاتية الديمقراطية. المفترض أنها إدارة خدمية في الأساس لتسيير مصالح الناس اليومية، وهي فكرة جديرة بالتوقف عندها ملياً نظراً للفوضى التي تعيشها مختلف المناطق السورية. إلا أن طغيان الطابع السياسي المحتمل على هذه الإدارة يهدد النموذج برمّته.

فمعظم القوى الكردية الأخرى ليست ممثلة في هذه الإدارة التي يفسرها خصومها من المعارضة السورية بأنها مقدمة للانفصال.

القوة العسكرية الوحيدة التي تنشط في منطقة الإدارة الذاتية هي وحدات حماية الشعب، ويصل قوامها إلى 30 ألف مسلّح كردي على الأقل. خاض هؤلاء معارك شرسة ضد مجموعات تنتمي إلى التيارات المتطرفة، وفصائل أخرى تابعة للمعارضة السورية، وتمكنت من الحفاظ على مدينة القامشلي والبلدات الكردية على الحدود مع تركيا بمنأى عن سيطرة المعارضة ومقاتلي تنظيم "القاعدة".

أما النظام، فله حضور علني في القامشلي، يظهر قوته في الوقت الذي يشاء.

وتدرك القوى الكردية في المجلس الوطني الكردي (الممثلة في جنيف2) أن تهميشها في الإدارة الذاتية هو تحصيل حاصل، ذلك أنها ارتكبت الخطأ الأكبر بعدم تشكيلها قوات موازية موالية لرئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني في وقت مبكر، لتكون لها القدرة على موازنة النفوذ السياسي الداخلي للاتحاد الديمقراطي الموالي لحزب العمال الكردستاني (المستبعد من جنيف2). ولعدم وجود هذه القوة الموازية، فإن مشاركة هذه القوى في الإدارة الذاتية ضمن المعطيات الحالية سيُنظر إليها على أنها «كرم أخلاق» من الاتحاد الديمقراطي أو هزيمة له في حال تم فرض التعددية بضغوط إقليمية.

توزيع المهام

بالعودة إلى تحديات الإدارة الذاتية، فإن توزيع المهام لم يغفل عن أي نقطة خدمية، هناك مسؤول الكهرباء والصحة والمواصلات وغيرها من القطاعات الخدمية الحيوية، فهي أشبه إذاً بحكومة محلية معلنة من طرف واحد رغم مشاركة عرب وسريان فيها، وتواجه تحدّيات هائلة، فلا معنى لهذه الإدارة إذا بقيت ساعات انقطاع الكهرباء في القاملشي (الهادئة) تتجاوز 16 ساعة يومياً، كما أن علبة الغاز المنزلي تباع بأسعار خيالية، عدا عن مشكلة انقطاع المياه وانتشار القمامة.

والعام الماضي، أخفق الاتحاد الديمقراطي في إيجاد مخرج للموسم الزراعي في المناطق الكردية، وليس لديه سياسة تسويق واضحة للنشاط الزراعي حتى اليوم. فإذا لم يستفد المزارع من هذه الإدارة لتسويق منتجه، هل سيبقى طويلاً يعبر عن ولائه لها تحـت مسميـات معنويـة؟.

قطاع الخدمات هو الذي سيقرر ما إذا كانت هناك حاجة لهذه الإدارة أم لا. وهناك اتهامات لحزب الاتحاد الديمقراطي بأنه يقوم بتحصيل ضرائب ورسوم من المواطنين بشكل مجحف وغير مبرر، وهو ما أِشار إليه القيادي في حزب يكيتي فؤاد عليكو الذي حذر من تحول الاتحاد الديمقراطي إلى نسخة شبيهة بحزب البعث من حيث التفرد بالإدارة تحت مسميات: الشعب والشهداء.

خلاف ذلك، قد يكون هناك توافق مرّ في مرحلة ما على توزيع أدوار: السياسة الخارجية للمجلس الوطني الكردي، والإدارة الداخلية والخدمات للاتحاد الديمقراطي، واستبعاد الأخير من جنيف2 قد يصلح ليكون مدخلاً لهذه المعادلة.

التدرج في الهدف

 

يعتمد دعاة الإدارة الذاتية على التدرج لتحقيق أهدافهم، وهي استراتيجية غير مجدية في وضع داخلي وإقليمي كالذي تشهده المنطقة حالياً. ويتطلب إقامة إدارة خدمية قبل كل شيء السيطرة على رموز النظام.

ولا تعني الرموز فقط السيطرة على المقرات الأمنية، بل إقامة سلطة بديلة عن النظام، ومن مظاهرها أن لا يذهب ريع رسوم خدمة الكهرباء للنظام، مثلاً. أو أن تتولى هذه الإدارة توزيع الرواتب على الموظفين بدلاً من النظام. هذه أمور إدارية لا بد أن تتوفر في أي جهة تطرح نفسها كإدارة بديلة وليست موازية.