كان مؤتمر «جنيف 2» بغنى عن غلطة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الذي وقع ضحية عملية توريط، بدعوته إيران للمشاركة في المؤتمر، ثم اضطراره لسحبها قبل أن يجفّ حبرها. فهو، أي المؤتمر، مخلخل أصلاً، ومأزوم بما فيه الكفاية، بل مفخخ ومحشو بصواعق التفجير. وجاءت المقدمات عشية موعده، ثم وقائع جلسة الافتتاح المضطربة، لتكشف ذلك. لكن مع هذا تتصرف واشنطن، بل تراهن، ومعها موسكو، على أساس أن «العملية السياسية» التي انطلقت في المدينة السويسرية مونترو محكومة بالاستمرار، لأنه ليس لدى أي من الأطراف المعنية خيار آخر في الوقت الحاضر. ومن هنا، الترحيب الأميركي بالمباشرة فيها والتعامل معها كإنجاز. ليس مهماً الآن بالنسبة لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما كيف ومتى تتوصل المفاوضات إلى مخرج للأزمة. مثل هذه النتيجة غير قريبة، وطريقها طويل وشاق وغير مضمون، ولا يتحقق منها شيء إلاّ برضا الطرفين، كما يقول وزير الخارجية الأميركي جون كيري. يلتقي معه ولو من منظور مختلف الروس والإيرانيون، من خلال تمسكهما بشعار أن الحلول متروكة للسوريين، ومن غير المقبول رسم النتائج بصورة مسبقة، وكأن عناصر الرضا المتبادل متوفر شيء منها أو بقي لها أي أثر. أو كأنه بقي شيء من القرار بيد السوريين، هذا على افتراض وجود رغبة بالتغيير لدى أهل القرار.

بداية بلا نهاية

الخشية من أن تكون مونترو بداية بلا نهاية، ناشئة من أن إصرار الكبار على عقد هذا المؤتمر لا يوازيه إصرار مماثل على خروجه بصيغة حلّ معقولة ومقبولة للأزمة السورية. لا مواصفات مثل هذه النتيجة متوافق عليها، ولا تحدّد سقفاً زمنياً ولو تقريبياً للتفاوض، طالما أنه يندرج تحت عنوان «العملية» التي لا حدود لها في القاموس الدبلوماسي الأميركي الخاص بالشرق الأوسط. رمي الكرة في ملعب السوريين، ذرّاً للرماد في العيون. وتزداد الخشية حين ترافق تركيب طاولة المؤتمر مع تركيب المقالب. اللغم الأول انفجر بالأمين العام للأمم المتحدة من خلال دعوته لإيران. أعطوه الضوء الأخضر مواربة لتوجيه هذه الدعوة، بعد إعلان المعارضة السورية موافقتها على المشاركة، أو هذا ما حصل التفاهم بشأنه، بحسب الناطق الرسمي باسمه. خانته الفطنة وفاتته اللعبة فدفع الثمن، ليس فقط من صدقيته، بل أيضاً من صدقية دور الأمم المتحدة كوسيط بين الطرفين. وفي هذا الخصوص، سرت شائعات تفيد أن دعوة إيران ما زالت واردة في وقت لاحق. وألمح وزير الخارجية محمد جواد ظريف، إلى هذه الإمكانية في مقابلة تلفزيونية أميركية. «الآن الوقت متأخر، بعدما بدأ المؤتمر»، قالت الناطقة في الخارجية ردّاً على سؤال «البيان» حول ما إذا كانت مثل هذه الدعوة محتملة في هذه الجولة. لكنها لم تقطع بشأنها في جولات مقبلة «إذا أعلنت طهران التزامها بجنيف1». وكان من اللافت أن تسارع موسكو إلى لفلفة الموضوع باعتباره «خطأ وليس كارثة»، بحسب الوزير لافروف، وكأنه كان مشاركاً في إعطاء الضوء للأمين العام.

عمليات تفاوض

ونجحت دبلوماسية كيري في إطلاق ثلاث «عمليات» تفاوض في المنطقة. أعادت الفلسطينيين والإسرائيليين إلى مائدة المفاوضات، فتحت الحوار مع إيران حول النووي، وأمس جمعت، بالتعاون مع موسكو، النظام والمعارضة في سوريا على طاولة واحدة. الأولى والثالثة، بلا جدول زمني. فترة الأشهر التسعة لإنجاز تسوية على أساس الدولتين، جرى تحديدها من باب التقدير، وليست نهائية. والحديث جار الآن في واشنطن حول تمديدها شبه المحتوم. وحده النووي الإيراني يخضع لجدول زمني صارم: ستة أشهر غير قابلة للتمديد. هذا الأخير أساسي، لكونه يعد بصفقة تطمع بها واشنطن ولا تستبعد حصولها. بقية الملفات تتعامل معها كتوابع.

انتقاد وثناء

انتقدت الخارجية الأميركية كلمة وفد النظام السوري، ووصفتها بـ «التصعيدية»، في حين لاقت كلمة وفد المعارضة ثناء من الدول الغربية. البيان