«عيش، حرية، عدالة اجتماعية» مطالب ثلاثة لخصت أزمات متعمقة في المُجتمع المصري منذ أعوام طويلة، دفعت المصريين إلى نسج آمال عريضة فور سقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مُبارك، آملين أكثر من أي وقتٍ مضى في تحقق أهدافهم. وخلال ثلاثة أعوام مضت على ثورتهم في الخامس والعشرين من يناير 2011، لم يتمكن المصريون إلا فقط من حصاد الأرواح، مع استمرار نزيف الدماء، بينما ظلت تلك الآمال مؤجلة حتى إشعارٍ آخر. تلك هي حصيلة أعوام ثلاثة على التجربة المصرية في الثورة، التي احتاجت إلى مرحلة تعديل مسار، عقب أن سطا عليها تنظيم الإخوان، مُحاولاً فرض مشروعه على أحلام البسطاء واستغلال صيحات الشباب لبناء جسرٍ من التضليل حول انجازات وهمية، حاول أن يُروج لها، مُبررا إخفاقه في تحقيق ثالوث المطالب الثورية «عيش، حرية، عدالة اجتماعية». وبعد إخفاقين، الأول للمجلس العسكري والثاني للجمهورية الثانية بقيادة «الإخوان»، كانت مرحلة تعديل المسار في 30 يونيو، عبر ثورة جديدة تُعيد 25 يناير لسياقها الطبيعي.

كشف حقائق

وعلى مدار تلك الأعوام، أزيحت الستائر عن حقائق عديدة وشبكة ارتباطات داخلية وخارجية لبعض القوى والفصائل المصرية، أبرزها تنظيم الإخوان الذي عرّته المسؤولية أمام شعب مصر، وكشفت عن وجهٍ أكثر بشاعة مما كان معروفاً عنه، كما رُفعت الحُجب عن بعض الفصائل الشبابية وعلاقاتها المشبوهة بجهات أخرى سواء داخلية أو أجنبية، عبر شبكة مصالح مُترابطة، فيما ظل النقاب مُسدلاً على وجه الجُناة الذين قتلوا الشباب إبان الثورة وروّعوا الشارع المصري، حتى كشفه المُعادل المُصحح لثورة يناير وهو ثورة 30 يونيو، التي أوضحت حقائق جديدة في هذا الصدد، ولفتت إلى الدور الإخواني خلال ثورة يناير وتحالفهم مع جهات أجنبية للعبث بمصر والاستيلاء على ثورة الشباب.

ثالوث المطالب

ومرت أعوام ثلاثة كانت كفيلة بأن يتمحور ثالوث المطالب الثورية ويتحول إلى مطالب ثانوية أخرى، حيث أسهم في ذلك انقسام الكُتلة الرئيسية لثورة يناير وتمزق القوى الشبابية بحثًا عن جني حصاد شخصي من الثورة. ووقف المصريون خلال تلك الأعوام ست مرات أمام صناديق الاقتراع، وانتخبوا مجلسا للنواب وأبطله القضاء، كما شكّلوا جمعيتين لوضع الدستور، أُبطل الأول وثار الشعب ضد دستور الثانية، بينما انتخبوا كذلك مجلسا للشورى أُبطل فيما بعد. واليوم، يبدأ المصريون من جديد بروح يناير متمازجة مع روح يونيو، لكن تلك المرة والحقائق أكثر وضوحاً والشارع أشد تماسكا، وهو التماسك الذي أعربت عنه نسب تأييد الدستور الجديد، الذي عبّر عن ثورة التصحيح، والتي فاقت الـ 98 في المئة، بحضور زاد على 38 في المئة من الكتلة التصويتية، وهي نسبة ايجابية مقارنة بما سبقها من استحقاقات.

تحليل المشهد

وعن ذلك المشهد المفعم بالتطورات، يقول أستاذ العلوم السياسية البارز حسن نافعة ان «الوضع مازال متأزما، إذ انه ليس هناك ملامح ومُحددات لمستقبل النظام السياسي القادم، خاصة أن مصر تعيش حالة من عدم اليقين».

ويواصل تحليله لمستقبل الثورة المصرية قائلاً: «من الأرجح أن يصبح القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح السيسي هو الرئيس القادم لمصر، وذلك سيفتح صفحة جديدة في تطور النظام السياسي المصري».

الدستور حاكم

بدورها، توضح النائب السابق لرئيس المحكمة الدستورية العليا المستشارة تهاني الجبالي أن «المرحلة المُقبلة من المستقبل المصري ومن مستقبل الثورة المصرية سوف تكون في إطار الدستور الذي اتفق عليه الشعب، ونزل بالملايين لتأييده»، معتبرة ذلك الدستور «مُفجر المرحلة الانتقالية، والذي سوف يُحدد أطر المسار السياسي لمصر، والنظام الذي تتبعه الدولة سواء سياسيا أو اقتصاديا وخلافه». وتوضح في السياق ذاته أن «مصر مُقبلة على مرحلة فارقة من تاريخها، لن يسمح الشعب المصري فيها لأحد أن يُكرر أخطاء الماضي مُطلقا».

الحسم للشعب

يقول مراقبون ان «التباين والجدل الذي يدور حول مستقبل الثورة المصرية يحسمه فقط الشعب المصري، القادر على مواجهة أعتى المؤامرات، والتأكيد على مطالب ثورته»، خاصة كتلة «المستقلين» التي لا تنطوي تحت فكر حزبي أو مصالح ائتلافية وخلافه، فهي الكتلة التي يُراهن عليها المصريون في تعديل دفة الأمور حال انحرافها عن الطريق الجديد الذي رسمته الموجة الثورية في 30 يونيو. البيان