توقع مراقبون أن تشهد تونس أزمة سياسية جديدة انطلاقا من المجلس التأسيسي هذه المرة، إثر عملية المراوحة والبطء في المصادقة النهائية على الدستور الجديد، الذي يحتاج الى التصويت لفائدته من قبل ثلثي النواب، وهو ما لن يتحقق بسهولة في ظل ظهور انشقاقات داخل كتلة حركة النهضة وصلت الى حد استقالة أربعة من أعضائها، فضلاً عن إصرار الجناح المتشدد على تعديل الفصل السادس وإلغاء حرية الضمير والتراجع عن تجريم التكفير فيه.

ورأى المراقبون أن المصادقة النهائية على الدستور الجديد بنسبة الثلثين ستكون صعبة، نظراً لوجود أطراف عدة مناوئة لبعض مضامينه وخاصة للفصل السادس الذي يجرّم التكفير، ومنها عدد من نواب حركة النهضة وحركة وفاء ونواب «تيار المحبة» وبعض المستقلين.

وكان أربعة من نواب حركة النهضة تقدموا باستقالاتهم من كتلة الحركة بسبب رفضهم لعدد من فصول الدستور الجديد.

مطالب

من جانبه طالب المجلس الإسلامي الأعلى في تونس بتعديل الفصل السادس من مشروع الدستور في ما يتعلق بمسألتي حرية الضمير وتحجير التكفير بحذفهما منه، مشيرا إلى أن مشروع الدستور تضمن في مجمله التزاماً بالمرجعية الإسلامية وإن لم ينص صراحة على أن الشريعة الإسلامية مصدر للقانون.

وأوضح المجلس في بيان وزع بمقر المجلس التأسيسي، أنه بخصوص حرية الضمير يرى حذف هذه العبارة باعتبارها مشمولة في حرية المعتقد، كما دعا المجلس في بيانه إلى حذف التنصيص على تحجير التكفير في الدستور والى تخصيصها بنص جزائي مثلها مثل المجاهرة بالكفر وازدراء الدين والاعتداء على المقدسات.

استنكار

وطالب وفد من الجمعية التونسية لأئمة المساجد وعلماء الدين والائتلاف الوطني لدعم الشرعية زار المجلس التأسيسي، بتعديل الفصول التي تتعلق بغياب مرجعية واضحة للشريعة الإسلامية.

كما استنكر عدد من أئمة المساجد وعلماء الدين، ورؤساء وممثلي جمعيات دينية في لقاء مع نواب من حزب النهضة وحركة وفاء ما سموّه «خلو الدستور من الضمانات التي تحقق الحماية الفعلية للدين الإسلامي»، واعتبروا أن صياغة الدستور تمت تحت «ضغوطات تيارات علمانية»، ما أتاح تمرير مفاهيم اعتبروها «غريبة عن الإسلام»، على غرار «تحجير التكفير» و«حرية الضمير».

فتوى

وأصدر وفد الأئمة ورجال الدين «فتوى شرعية» تحمل توقيع 33 من «العلماء والشيوخ والأئمة» أكدوا فيها أن «الإسلام، وإن كان يقر بحرية الاعتقاد وممارسة عقيدته إلا أنه يمنع الدعاية لغير عقيدة الإسلام في ديار الإسلام بأي صورة من صور الدعاية».

كما أشار بيان وقعت عليه جمعيات ذات مرجعية إسلامية إلى «خلو الدستور من الضمانات التي تحقق الحماية الفعلية للدين الإسلامي عقيدة وشريعة وأخلاقاً بإرساء المؤسسات اللازمة لذلك»، مثل «إنشاء ديوان الإفتاء، ودسترة المجلس الإسلامي».

خلافات

إلى ذلك وصف النائب بالمجلس الوطني التأسيسي والقيادي في حركة النهضة الصادق شورو الدستور التونسي الجديد بأنه «ولد ميتاً»، وأنه «جاء ليرضي أطرافا داخل البلاد وأطرافا خارجها، إلاّ الشعب وبعض نوابه وإنه واحد منهم»، على حدّ تعبيره، معتبرا أن هناك أطرافا من خارج المجلس تتدخل في ولادة الدستور تارة باسم الحوار الوطني وتارة باسم التوافقات لتدخل عليه تشويهات كثيرة وليولد في الأخير دستورا ميتا، على حد تعبيره.

جاء ذلك بعد أن تمت المصادقة على حذف الفصل 141 ضمن باب تعديل الدستور بموافقة 149 واحتفاظ 19 ورفض 10. وينص الفصل على أنه «لا يمكن لأي تعديل دستوري أن ينال من: الإسلام باعتباره دين الدولة، اللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية، النظام الجمهوري، الصفة المدنية للدولة، مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور، عدد الدورات الرئاسية ومددها بالزيادة».

ورأى المراقبون أن حذف هذا الفصل أنهى وجود أي إشارة صريحة بأن الإسلام دين الدولة في الدستور الجديد، ما عدا ما يشير إليه الفصل الأول المنقول حرفيا عن الدستور السابق من أن « تونس دولة مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها».

نقائص عدة

وتعليقا عما قاله شورو بأن الدستور ولد ميتاً، صرح الحبيب اللوز عضو المجلس الوطني التأسيسي والقيادي في حركة النهضة بأنه يتفهم منطق ما قاله زميله، لكنه لا يشاطره الرأي حول ولادة الدستور ميتاً. وأضاف اللوز أنه يعتبر أن الدستور يحتوي على نقائص عديدة وبعض بنوده «مقلقة للجماهير والأئمة والأوساط الإسلامية» على حد تعبيره، معتقدا ان الدستور لن يحوز موافقة الشعب إن لم يحصد ثقة ثلثي أعضاء المجلس وعرض في استفتاء.

وختم اللوز تصريحه بأن عدداً من الفصول لا بد أن يشملها التعديل قبل عرضه في صيغته النهائية على أعضاء المجلس.

من جهته اعتبر النائب عن حركة النهضة جمال بوعجاجة، أن ما سمّاها أحزاب «الصفر فاصل»، في إشارة الى نتائج الانتخابات، فرضت عليهم دكتاتورية الأقلية، واصفا إياها بالأحزاب الديمقراطية الكارتونية التي اعتبرت أن يوم المصادقة على تجذير الهوية العربية في الدستور يوماً أسود، بحسب تعبيره.

«النهضة» تنتقد

وبالمقابل انتقد رئيس كتلة حركة النهضة بالمجلس التأسيسي الصحبي عتيق تصريحات النائب شورو القائلة بأن الدستور التونسي الجديد ليس توافقيا ولا يستجيب لطموحات التونسيين. وقال إن «الدستور التونسي صيغ من خلال توافقات وطنية وهو سيشرف جميع التونسيين»، مضيفا أن «تصريحات الصادق شورو لا تعبر عن موقف حركة النهضة وهي تلزمه شخصياً».

 

115

أكد النائب المستقلّ عبد الستار الَضيفي أنه بصدد جمع توقيعات وصلت إلى 115 إمضاء من جميع الكتل لعريضة تطالب بإضافة فقرة في الفصل 30 من الدستور تحجر الاعتداء على المقدسات وخاصة منها الذات الإلهية.

ودعا بقيّة النوّاب إلى مساندة هذه العريضة لتقديمها إلى المقرّر العام لطرحها، آملاً أن ينال هذا النصّ القبول.