فيما تتقدم خطوات تشكيل الحكومة اللبنانية بثبات وتوقع إعلانها خلال أيام، تتعرض بعض التحالفات التقليدية التي سادت خلال السنوات الماضية إلى هزّات مفاجئة، وخاصة التفاهم الذي كان صلباً بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس تكتل التغيير والإصلاح ميشال عون.
وذكرت تقارير لبنانية أن وزير الطاقة في الحكومة المستقيلة جبران باسيل (عضو التغيير والإصلاح) رفض عقد اجتماع مع ممثل لرئيس مجلس النواب نبيه برّي للبحث في موضوع الحكومة، مكرّساً بذلك القطيعة بين الجانبين، ولذلك استُعيض عن هذا الاجتماع بآخر بين باسيل وممثل عن حزب الله.
مبدأ المداورة
فرط هذا التحالف يعود إلى مبدأ طرحته قوى «14 آذار» وهو مداورة الحقائب الوزارية، ويبدو أن هذا المبدأ أريد به إسقاط عون من تحالف أمل ـ حزب الله، فالتيار الوطني الحر الذي يترأسه عون وافق على تسمية تمام سلام رئيساً للحكومة بعد تعهد بري بإبقاء حقيبتي الاتصالات والطاقة ضمن حصة عون في الحكومة. لكن بعد الاتفاق على مبدأ مداورة الحقائب، فإن الجنرال عون هو الخاسر الأكبر قياساً إلى تصوره المسبق عن حصته من الحكومة.
سقوط الجنرال عون من تفاهمات ومشاورات التشكيلة الحكومية يعكس تراجع الدور المسيحي العام في السياسة اللبنانية وليس فقط التيار الوطني الحر. هذا أيضاً أحد مظاهر الانسحاب السياسي الغربي من لبنان لصالح المحاور الإقليمية على خطي السعودية وإيران.
موازن داخلي
التحالف بين الجنرال وأمل وحزب الله على مدى السنوات الماضية لم يكن له أي انعكاس على التحالفات الخارجية اللبنانية مع المحاور الإقليمية. بالنسبة لمعسكر «الممانعة»، لم يكن عون أكثر من موازن داخلي في صراع أمل وحزب الله ضد تيار المستقبل وحلفائه المسيحيين. كما فشل عون في نيل أي مكاسب من حلفائه لتحصين منصب الرئاسة وتوسيع صلاحيات الرئيس الذي يتطلع إلى شغله، حيث ان هذا المنصب يعتبر المنصب الأهم للمارونية السياسية في لبنان.
وأمس، صرح عضو تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ابراهيم كنعان أنّ «الحكومة يجب ألا تكون على حساب رئاسة الجمهوريّة، خصوصاً وأنّ مهمتها الأساسيّة الاتفاق على الاستحقاق الرئاسي». وغمز كذلك في قناة تنصل بري من التزاماته بقوله: «نريد حكومة ونحن سعينا إليها ولكن التفاوض ليس تقنياً فقط، بل هناك التزامات يجب احترامها».
القطيعة مع برّي، وربما مع محور الممانعة برمّته، وردت مضمرة في حديث كنعان، عبر القول إن «الشخص المخوّل رسمياً القيام بالاتصالات المباشرة هو الرئيس المكلف تمام سلام»، وهذا يرجح إلى درجة كبيرة صحة التقارير التي تحدثت عن رفض ممثل عون لقاء ممثل برّي.
مضمون سوري
يبدو المضمون السياسي للحكومة المقبلة انعكاس للوضع السوري، بحيث أن جلوس الائتلاف الوطني والنظام السوري في «جنيف2» يكاد يقابله في لبنان حكومة ائتلافية بين حلفاء المعارضة السورية وحلفاء النظام السوري. فمضمون الحكومة مرتبط بالمحاور الإقليمية المتصارعة عسكرياً في سوريا: هي حكومة الحريري وحزب الله.
وكان لافتاً تأكيد عضو كتلة المستقبل النائب عمار حوري أن الحكومة خاضعة للنقاش من ضمن العناوين الخمسة التي طرحت من قبل فريق 14 آذار وهي: «عدم إعطاء ثلث معطل لأي فريق، المداورة في الحقائب الأساسية، حق الفيتو محصور فقط بيد الرئيسين ميشال سليمان وتمام سلام، التزام إعلان بعبدا والانسحاب من سوريا». العنوان الأخير «الانسحاب من سوريا» لا يترك مجالاً للشك أن مكوناً من وزن كتلة الجنرال عون النيابية هي «كتلة نظرية» إقليمياً، وربما تكون الحكومة المقبلة هي أكثر الحكومات التي لا شأن لتأليفها بلبنان، ولا بوضعها الداخلي.
وليس فقط تحالف عون وبري يخضع لإعادة نظر شاملة، بل إن الأمر ينسحب على الحريري نفسه، خاصة أن اوساطاً في طرابلس تتهمه بـ«الخضوع لحزب الله»، كما ان مكونات «14 آذار» توصلت إلى اتفاق، بحسب جريدة «النهار»، ويقضي بالمشاركة الجماعية أو المقاطعة الجماعية للحكومة، تفادياً لانفراط عقدها.
حذر
دعا عضو كتلة «المستقبل» النائب نضال طعمة إلى عدم المبالغة في التفاؤل في تشكيل الحكومة، «لأنّ الإيجابية التي يوحيها فريق 8 آذار يمكن أن تكون تكتيكيّة وموقتة». ولفت إلى أنّه «من مؤشرات رغبة حلفاء سوريا في الهروب من الحلول، وربما تأجيلها إلى ما بعد مؤتمر جنيف 2، هو تفجير الوضع الأمني في طرابلس، التي باتت خاصرة أمنيّة رخوة، يلعبون فيها على هواهم، ويفجرونها متى كان ذلك يخدم مصالحهم السياسية، أو يساعدهم على تمرير الوقت».